وبرز في التراث الجغرافي العربي وعبر القرون الإسلامية المتعاقبة رحالة مسلمون جابوا الآفاق ودوَّنوا بقلمهم ما وصلوا إليه من مدن وبلدان وأصقاع تجاوز بعضهم فيها رقعة الخلافة، وسجلوا لنا تفاصيل عديدة عن عادات وتقاليد الحياة الاجتماعية لتلك الأقوام والمِلَل والنِحَل التي قصدوها، فكانت بحق سجلًا لأولئك الناس أحتفظ بها العرب في مُصنفاتهم الجغرافية ونهل منها الغربيون ما شاء أن ينهلوا وأعجبوا وأشادوا بكل فخر واعتزاز بتلك الرحلات العربية في مؤلفاتهم الصادرة لاحقًا.
وقد دونّ الرحالة العرب الذين قصدوا جزيرة العرب ما شاهدوه من احتفالات تقام خاصة في استقبال الأشهر العربية، ورسموا في رحلاتهم صورة ناطقة حيّة عن احتفالات المسلمين بشهر رمضان المبارك في كلٍ من مكة المكرمة والمدينة المنورة، واخترنا رحالتين يُعدان من اشهر رحالة العرب هما: ابن جبير، وابن بطوطة اللذان وصفا لنا حياة الناس خلال الشهر الكريم بكل أمانة وصدق.
رحلات ابن جبير
ولد أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الشاطبي، البلنسي، في عام 540هـ، الموافق 1145م في مدينة بلنسية من أسرة عربية عريقة، وبدأ ابن جبير بعد أن تلقى علوم الدين والشريعة في شاطبة، وبرز كشاعر وكاتب لدى حاكم غرناطة بالأندلس، رحلته إلى الأراضي الحجازية مع صديقه أحمد بن حسّان، فزار مكة المكرمة وأقام فيها قُرابة نصف عام، ثم قصد المدينة في طريقه إلى الكوفة وبغداد وسامراء والموصل في العراق، بعدها زار حلب ودمشق في الشام. وقام ابن جبير في الرحلة الثانية التي استمرت عامين عند سماعه نبأ تحرير بيت المقدس على يد القائد صلاح الدين الأيوبي عام 583هـ - 1187م، وأما رحلته الثالثة والأخيرة فبدأها وعمره في الثالثة والسبعين ولم يعد إلى مسقط رأسه حتى توفاه تعالى في الإسكندرية عام 614هـ - 1217م.
ابن جبير في مكة
وصف الرحالة ابن جبير في كتابه:"تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار"المعروف- برحلة ابن جبير - شهر رمضان في مكة المكرمة والاحتفالات الخاصة بقدوم وإحياء لياليه المباركة لعاميّ 578 - 579 هجرية، فسجل مظاهر ختم القرآن الكريم فيها في كل وتر من الليالي العشر الأواخر في رمضان. فوصف في رحلته إلى مكة الأركان الأربعة للحرم، وبإزاء المقام الكريم منبر الخطيب، فقال:"وهو أيضًا على بكرات أربع .. فإذا كان يوم الجمعة، وقرب وقت الصلاة، ضمّ إلى صفحة الكعبة الذي يقابل المقام، وهو بين الركن الأسود والعراقي، فيسند إليه المنبر".
وأشار ابن جبير بإسهاب إلى توجُّه الخطيب إلى باب النبي- صلّى الله عليه وسيلّم- وهو يقابل في البلاط الآخذ من الشرق إلى الشمال، ويصف لنا ملابس الخطيب ولون عمامته السوداء والطيلسان الذي يرتديه، وإذا قرب الخطيب من المنبر يقول عنه ابن جبير:"فإذا قرب من المنبر عرّج إلى الحجر الأسود فقبلّه ودعا عنده، ثم سعى إلى المنبر، والمؤذن الزمزمي- رئيس المؤذنين بالحرم الشريف- ساعيًا أمامه، لابسًا السواد أيضًا ... .". ويشير إلى جلوسه ومبادرة المؤذنين بإعلان الآن بلسان واحد، ثم تلاوة الخطبة.
ليلة أَهَلَّ الهلال
عرفنا ابن جبير في رحلته عن الاحتفاء بالأهِلَة في مكة، وما يجرى فيها من احتفالات وكيف دخل أمير مكة مكثر المذكور داخل الحرم الشريف مع طلوع الشمس، والاحتفال بشهر رمضان فيها، فسجل الاهتمام الكبير بزيادة أحجام وأعداد وسائل الإضاءة منذ صلاة المغرب- الفطور وحتى الفجر- السحور- وتجديد فُرُش الحرم الشريف من الحصير عند دخول غُرّة الشهر الكريم.
وأشار الرحالة إلى إقامة صلاة التراويح في الحرم المكي في عدّة أماكن متفرقة، وكان لكل فرقة إمامها، وأن عدد ركعات التراويح بلغت أربعًا وعشرين ركعة خارجًا عن الشفع والوتر، مع تعدد مرات الطواف حول الكعبة المشرفة فيما بينها. وذكر ابن جبير عن السحور في مكة، الذي كان يتم من المئذنة التي توجد في الركن الشرقي للمسجد الحرام، وذلك بسبب قربها من دار شريف مكة، فيقوم الزمزمي بأعلاها وقت السحور داعيًا ومُذكِرًا ومُحرِّضًا على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانهِ ويقاولانهِ. ونظرًا لترامي الدُور بعيدًا عن الحرم المكي حيث يصعب وصول صوت المؤذن كانت تنصب في أعلى المئذنة كما يقول ابن جبير:
"خشبة طويلة في رأسها عمود كالذراع وفي طرفيه بَكْرَتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يُوقِدان مُدّة التسحير فإذا قَرُبَ تبيّن خطى الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرّة بعد مرّة حطَّ المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ وثُوب المؤذنين من كل ناحية بالأذان. وعندما يرى أهل مكة من سطوح منازلهم العالية القنديلين قد أُطفئا علموا أنّ الوقت قد أنقطع".