تحفل المصادر العربية بالكثير من الكتب التي أفردت للمجالس صفحاتها، فكتاب السمر العربي- ألف ليلة وليلة- مجلس للقصّ والحكي بين السائل الملك شهريار والراوية شهرزاد التي تلهبه بحكاياتها الشائعة عن قتل بنات جنسها. وهناك مجالس للوعظ الديني مثل مجلس الإمام ابن الجوزي الذي كان مجلسه ببغداد يضم آلاف الناس حتى تسدّ بهم الشوارع، ومجلس الوزير أبو عبد الله العارض المعروف بابن سعدان وهو يستمع في مجلسه لأحاديث الأديب أبو حيّان التوحيدي فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة (ت 414هـ) ، حيث سامر التوحيدي ابن سعدان عبر أربعين ليلة بمواضيع فلسفية ومثاقفة، ضمها كتابه الكبير:"الإمتاع المؤانسة". وهناك في الأدب العربي أحاديث لابن دريد وهي أربعون حديثًا، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، أربعمائة مقامة، وهذه الأرقام تدل على الكثرة. ويرجح أن يكون أقدم مجلس ـ صالون أدبي ـ يعود تاريخه إلى النصف الأول من القرن الأول للهجرة على حدّ قول أبي الفرج الأصفهاني لوهب بن زمعة المُكنى بأبي دهبل.
المحاكي أيام العباسيين
تطورت الحياة بمناحيها خلال العصر العباسي وما طرأ عليها من تلاقح حضاري في حركة إحياء العلوم، وبعد نضج العقول عاد القصاص إلى المسجد فوجد الواعظ قد سبقه فقد استغنى الخليفة العباسي عن القصاص، وانقلب الواعظ إلى العامة مجبرا يسامرهم في مجالسهم ويشاطرهم أفراحهم بمآثر من أيام العرب حتى صار ظاهرة من ظواهر المجتمع، بعد أن فقد القصاصون ثقة أهل التقى وبدأت الثقة تتحول عنهم إلى طائفة خلفتهم هي طائفة المذكرين، ويعرف مجلسهم بمجلس الذكر. وإن أفول نجم القاص قد أدى من ناحية إلى ظهور شخصية أخرى هي المُحاكي. وهناك نماذج أدبية عباسية تشبه المحاكاة، تبرز قدرة المحاكي على التأليف، لما يتميز به من قوة الملاحظة وقدرة على التقليد، فضلًا عن أنّ الواقع قد يتطلب بفعل الضرورة المحتمة وجود حكاية مبتكرة تلبي الحاجة الماسة. وقد اتسع نطاق المحاكاة ليشمل فن القصاصين وهم الذين تميزوا بقدرتهم على الملاحظة والتقليد، فمنهم المداح والمقلد والحكواتي العربي.
ووجد عند المحاكي التسلية المحببة، يلتقي الفريقان في أزقة وحارات بغداد إذ يقص المحاكي على المستمعين نوادر الأخبار وغرائبها، ويتفنن في تقليد هازل للنازلين ببغداد من الأعراب وغيرهم وهنا يجد العامة عنده المتنفس لما يعانوه من ضيق وكرب، جيث كان المحاكي لسان العامة في الهزء من معايب الحياة الاجتماعية التي أثرت في انجذابهم إلى المحاكي الشعبي الذي يعد وسيلة ترفيه من جهة ووسيلة تعبير عن الواقع من جهة أخرى. ومن سمات المحاكي الممثل الشعبي ما يقوله الأديب العربيّ الجاحظ (ت 255هـ) في البيان والتبيين بأن: الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارجهم في النطق وكذا يفعل في تقليد الخراساني والسندي والحبشي وغيرهم حتى لتكاد تجده أطبع منهم، فإذا حكى (الفأفأء) فكأنما قد جمعت كل طرف في كل فأفأء في الأرض في لسان واحد، ويعطي الجاحظ أمثلة لفنانين موهوبين من فناني الحكاية أمثال أبو دبدوبة مولى آل زياد الذي كان يقف بباب الكرخ- إحدى مناطق بغداد العباسية والحالية- فينهق فلا يبقى حمار مريض ولا هرم جسيد ولا متعب بهير إلا نهق"."
وكانت بداية المرحلة الأخرى من مراحل تطور فن الحكواتي بالقرن الخامس الهجري"القرن الحادي عشر الميلادي"وتنتهي بسقوط بغداد عام 656 هجرية _ 1278 ميلادية إثر سقوط الخليفة عبد الله المستعصم قتيلا على يد هولاكو المغولي. وفي هذه المرحلة التي هي مرحلة ظهور ونمو فن مُحاكي العامة تكون قد حلت مرحلة ظهور فن الحكواتي العربي في المجالس لروايتها للناس في الساحات وفي الطرقات العامة.
مجالس الحكايات الشعبية
عرفت المدن العربية قبل عقود قصيرة تنظيم مجالس خاصة تعقد لرواية حكايات من التاريخ والتراث، أو الاستماع إلى الراوي وهو يقص على مستمعيه بصوت مسموع وبحركات تمثيلية تلك الإخبار والحكايات، وبعض من السير الشعبية أمثال سيرة الشاعر عنترة بن شداد العبسي أو سيرة بني هلال، أو الزير سالم، أو حكايات ألف ليلة وليلة مثل سندباد البحري، أو علي الزيبق وغيرها. وانتشر هذا الراوي في العواصم العربية مثل بغداد ودمشق والقاهرة، حيث يحتشد حوله المستمعون ليروي لهم حكاياته، والتي كان غالبًا ما يتوقف في ختام كل مجلس عند حدث يشدّ معه تشوق المستمعين لمتابعة الحكاية في الغد القادم.
رمضان عند الرحالة
حافظ العرب على رحلة التجارة ورحلة الجهاد والسفارة، ضمن ما وصلهم من التركة الحضارية التي وصلتهم وقد حرص المسلمون في طلب الرحلة، ولكنهم أضافوا ثلاث حاجات جديدة إليها حتى تلبي أو تجاوب متطلبات الحياة المتنوعة، والتي تمثلت وعبرّت عن مبلغ تنشيط تلك الرحلة في: رحلة الحجّ ورحلة طلب العلم ورحلة التجول والطواف.