ولقد أشار ابن اسحق إلى أنّ المسجد النبوي قد بُنِيّ من حجارة منضودة، بعضها على بعض، وجعلت عمده من جذوع النخيل، وسقف بالجريد، وجعلت قبلته من اللّبِن أما بيوته -عليه الصلاة والسلام- فكانت تسعة، بعضها جريد وطين وسقفها جريد، وبعضها من حجارة مرضومة، بعضها فوق بعض، ومسقفة بالجريد أيضًا، وقال الحسن بن أبي الحسن: كنت أدخل بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا غلام .. فأنال السقف بيدي، وكانت حجرته -عليه الصلاة والسلام -أكسية من شعر مربوطة من خشب عرعر وكان بابه- صلى الله عليه وسلم- يقرع بالأظافر أي لاحلق له، ولما توفي أزواجه، خلطت البيوت والحجر بالمسجد، وذلك في زمن عبد الملك بن مروان.
واتسمت مجالس الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالبساطة والتواضع فقد روى البغوي عنه -صلى الله عليه وسلم- قال:"آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس". وهذا التواضع النبويّ يجعل الأعرابي الذي يدخل مسجده حين يسأل: أيُّكم محمد؟ فلم يكن النبي الكريم ليتميز من أصحابه بمقعد أو ملبس معين أو زيٍّ بل كان -عليه الصلاة والسلام- واحدًا منهم. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم -يلتقي في البداية أصحابه في مجلس خاص بمكة يعرف بدار الأرقم يعلمهم الكتاب والحكمة، ولمّا ازداد عدد المؤمنين به وبدعوته صار يلتقي بهم في ساحة المسجد وفي كل مكان ومناسبة، ويتميز مجلسه بالجد وقت الجد، فكان المجلس النبويّ عند نزول القرآن المعجز خاشعًا جادًا، فروي عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم-:"أنّه كان إذا أُنْزِلَ عليه الوحيّ كرب لذلك وتربَّد في وجهه، فلما أتليَ عنه أي سُرِّيّ عنه وكشف رفع رأسه". وكان رسول الله لا يسرد الحديث في مجلسه كسردنا، فهو أبعد الناس عن التطويل والإطناب الممل. تقول السيدة عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها-:"كان يحدث حديثا لوعدّه العَّاد لأحصاه". ومن ملامح المجلس الشريف أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يسقي ضيفه أولًا ثم يشرب بعده، وكان يتخول أصحابه بالموعظة، لأن القلوب قد يصيبها الكلل والملل والسآمة من كثرة المواعظ فتفقد المواعظ قيمتها.
مجالس الخاصة والعامة
ووجدت مجالس القصص في العهد النبوي الشريف حيث كان الناس يتداولون رواية أخبار الجاهلية وقصصها في المسجد، ثم تطورت تلك المجالس لتشمل قصص الأنبياء وحكايات الأمم السالفة، وكان عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- من أبرز رواة القصص، ووهب بن منبه وطاووس بن كيسان وموسى بن سيار في عصر التابعين، وعبيد بن عمر الذي يعد أوّل من قَصَّ في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وحفلت الأمصار الإسلامية على مجالس خاصة وعامة إبان الخلافة الإسلامية المتعاقبة فيعني الجلوس في اللغة القعود، و الجلسة هي الهيئة التي تجلس عليها، والمجلس موضع الجلوس. والتراث القصصي متصل الحلقات، وتتميز القصص العربية بفيض حكائي يشمل تركيب شكلها القصصي جميعة. ومادامت القصص قد عبرت عن الحياة الإنسانية بمختلف شؤونها، وأصبحت صورة حيَّة للذات، فإنها واكبت مسيرتها وعكست ما استجد في كل زمان وفي كل مكان، فالرغبة في القصّ والحكي وصياغتها وروايتها للمتلقي، إنما هي رغبة متأصلة، بل إنها تعبير وتجسيد لحالات إنسانية مُلحَّة وأساسية لازمت وجود الإنسان، وعبرت عن طبيعة مسيرته الدائبة في مراحل تطوره كافة.
وهناك مجلس للخاصة وآخر لمجالس القصّاص في أيام الدولة العباسية، واختصت المجالس الخاصة بالحكايات القصيرة، من نوع الحكايات المرحة والنوادر والأحاديث التي تكون سرعة البديهة حاضرة فيها عند المجيب مع الجواب المسكت، أما مجالس القصاص فتروى فيها الحكايات الطويلة. وكانت على سبيل الذكر طرقات بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية مليئة بالقصاصين، ويبدو ـ لكثرتهم في هذا العصر أنْ أمر الخليفة العباسي المعتمد على الله في سنة 279هـ في عاصمة الخلافة- سُر مَنْ رَأى - سامرّاء الحالية، بالنداء بأن يقعد على الطريق ولا في المسجد قاصّ ولا صاحب نجوم ولا زاجر، وحلف الوراقين ألا يبيعوا كتب علم الكلام والجدل والفلسفة.
أقدم المجالس؟