الصفحة 14 من 44

موسم للتفطير والخيرات

اتخذ الخلفاء والولاة على مر العصور في الحضارة العربية الإسلامية من شهر الصوم المبارك، موسمًا لمساعدة المحاويج، وإطعام الفقراء والمساكين وصلة الإخوان والأصدقاء، ومن ثم اجزال الهبات لذوي القربى والأرحام. واحتفل الفاطميون في مصر بشهر رمضان المبارك، وكان يرسل في أول يوم من أيام شهر رمضان من دار الخلافة في القاهرة لجميع الأمراء وسواهم من أصحاب المناصب، ولكل واحد طبق ولكل واحد من أولاده ونسائه طبق فيه حلوى وبوسطه صُرّة من ذهب! فيعم ذلك سائر أهل الدولة، ويقال لذلك غرّة رمضان.

وكان الصاحب بن عباد يحتفل بهذا الشهر الميمون فرويّ عنه بأنّه حضر مجلس الوزير الأديب ابن العميد عشية من عشايا رمضان، وقد حضره الفقهاء والمتكلمون للمناظرة، فلما انصرف القوم وقد حلّ الإفطار أنكرت ذلك بيني وبين نفسي واستقبحت إغفال الأمير تفطير الحاضرين مع وفور رياسته، واتساع حاله، واعتقدت ألاّ أخل بما أخلّ به، إذا قمت يوما مقامه.

وقال أبو الحسين محمد بن الحسين النحوي، فكان الصاحب لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر كائنا من كان فيخرج من داره إلاّ بعد الإفطار عنده! وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها. وكانت صِلاتُ الصاحب بن عباد وصدقاته في هذا الشهر الجليل تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة كاملة.

ويذكر أنّ أحمد بن طولون زار مسجده في القاهرة في أثناء بنائه وكان ذلك في أيام شهر الصيام فرأى الصُنّاع يعملون إلى وقت الغروب، فقال: متى يشتري هؤلاء إفطارًا لعيالهم؟ فأمر ابن طولون أن يتركوا العمل وقت العصر، ولما انتهى شهر رمضان، قيل له: قد انقضى شهر رمضان فيعودون إلى عاداتهم. فقال: قد بلغني دعاءهم، وقد تبركت به وليس هذا مما يوفر العمل.

الفصل الرابع

رمضان في ذاكرة المسلمين

المبحث الأول: المجالس والرحالة في رمضان

المبحث الثاني: رمضان في الدول العربية والإسلامية

المبحث الثالث: العيد في الدول العربية والإسلامية

المبحث الأول

المجالس والرحالة في رمضان

تطورت الأعياد في الحضارة العربية والإسلامية خلال القرون الهجرية الماضية، لأنّ من سُنّة الحياة والمظاهر الاجتماعية في حياة الناس التجديد والتغيير حسب التطور الذي يشمل مناحي الحياة المختلفة. وعلى هذا الأساس فقد خضع شهر رمضان والعيدان- الفطر والأضحى- إلى تبدل مظاهر الاحتفاء والاحتفال بهما في ديار الإسلام، وسنتحدث في هذا المبحث بلمحة يسيرة عن مظاهر شهر رمضان الفضيل في الحضارة الإسلامية، ثم نُعرِّج إلى عَلَمَيْنِ من أعْلاَم الجغرافيين العرب هما الجغرافيان الرحالان: ابن جبير وابن بطوطة، لنلقي الضوء من خلال رحلتيهما المعروفتين، على ما أفردا من انطباعاتهما حول رمضان والعيد في ثنايا الرحلتين الجغرافيتين للمدن والبلدان الإسلامية التي زاراها، ودونوا تلك الانطباعات في الرحلتين.

المجالس العربية

بقيّ الإنسان العربي عبر توالي الأيام محافظًا على الإرث الحضاري والعادات والتقاليد الأصيلة النابعة من ألق حضارتنا العربية. وتعد المجالس من تلك العادات الاجتماعية التي بقيت ولم تندثر على الرغم من النقلة الجديدة التي عصفت بالمجتمعات مع الثورة العلمية والعولمة التي أرادت أن تقتلع هوية الناس والإنسان العربي بالذات وتجرده من موروثاته المتأصلة والمستمدة من ذاكرة الآباء والأجداد.

وتعبر المجالس بصفتها العامة عن حبّ الضيف وتقريب الغريب عن الديار، وكانت المجالس العربية تعقد في العراء وتضم نخبة من الرجال يتداولون في مسامراتهم شؤون التجارة والحياة، وكانت تنضم الأسواق الأدبية التي غايتها التبادل التجاري أولا، ومن ثم تناشد الأشعار كما حصل في سوق عكاظ في الجزيرة وسوق المربد بالبصرة في العراق. ولكن المجالس تلك أخذت بعدا مغايرا في ظل الإسلام، عندما بدأ المسلمون يتعلمون كتاب الله العزيز.

المجالس النبويّة

كان النبي الخاتم محمد -صلى الله عليه وسلم -دائم الصلة بالمسلمين، ووظيفته تبليغ الناس الرسالة، لهذا يكون بيته مجلسا صغيرا لهم، ومسجده هو مجلسه الكبير، وبين المجلسين كان عليه الصلاة والسلام يرافقهم ويلتقي بهم في السواق والمناسبات الاجتماعية، علاوة على صحبته لهم في أثناء الغزوات وفي الأسفار كما حصل في حجة الوداع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت