الصفحة 13 من 44

كذلك أتمّ الله تعالى على نبيّه المصطفى الكريم- صلّى الله عليه وسلّم- فتح مكة فدخلها مع المسلمين في العشرين من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، الموافق لعام 630م، وقد تجهزَّ رسول الله -عليه الصلاة والسلام لهذا الفتح المبين، وأمر النّاس بالتجهُّز للمسير إلى مكة، وقال:"اللّهم خُذْ العُيون والأخبار عن قريش حتى نَبْغَتها في بلادها". وخرج الرسول الكريم مع أصحابه في العاشر من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، فصام وصام معه الناس، وعند وصول جيش المسلمين إلى مكة، قسّمه رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- إلى أربعة أقسام لدخولها، ودخلها وقد تعمم بشقة بُرْدٍ حَبِرة، وكان ليضع رأسه تواضعًا لله عزّ وجل حين رأى ما أكرمه تعالى به من الفتح المبين، وخاطب أهل مكة قائلًا:"يا معشر قريش، ويا أهل مكة، ما ترون أنّي فاعلٌ بكم؟"فأجاب سهيل بن عمرو: (نقول خيرًا، ونظن خيرًا، أخ كريم، وابن أخٍ كريم، وقد قدرت) ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"أقولُ كما قال أخي يوسف: لا تثريبَ عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطُلقاء".

وهيأ الله تعالى للمسلمين في شهر رمضان أن أتم على أيديهم فتح بلاد الأندلس، بقيادة القائد طارق بن زياد، الذي عبر مضيق جبل طارق الذي عُرف باسمه، ثم نزل في جنوبي الأندلس في عام 92هجرية، الموافق للعام 711م، واختار ابن زياد استعداداته للمعركة الحاسمة مع القوط- الإسبان- في شبه الجزيرة الإيبرية وأختار موقعًا مناسبًا في وادي لكة، يستند في أجنحته على موانع طبيعية لحماية جيشه، ونظّم قوّاته، وأرسل عدّة فرق قسم إلى قرطبة، وإلى غرناطة، وإلى مالقة، وسار معظم الجيش الإسلامي مع طارق بن زياد إلى طليطلة، ورافق القائد موسى بن نصير جيش آخر توجه لفتح قرمونة، واشبيلية، وماردة، وسرقوسطة، وأوربونة ففتحوها كلها، لينتشر الإسلام الحنيف ولتصبح شبه الجزيرة الإيبرية من ضمن ولايات الدولة العربية الإسلامية، وأصبحت الأندلس إداريًا بعد فتحها ولاية لأفريقيا.

وظهرت دعوة العباسيين في شهر رمضان المبارك في خراسان بزعامة أبي مسلم الخراساني سنة 129هـ- 747م،، وقام أبو العباس السفاح بالاستيلاء على الخلافة ليُصبح أول خلفاء بني العباس، لينهي بذلك الدولة الأموية في دمشق في سنة 132هـ - 750م، واتخاذ العباسيين لبغداد دار السلام عاصمة للخلافة العربية الإسلامية، وشهدت الدولة العباسية سبعًا وثلاثين خليفة، أولهم أبو العباس السفاح، وآخرهم عبدالله المستعصم بالله، واستمر حكم الخلافة العباسية من عام 132 - 656هجرية، الموافق للعام 749 - 1258 ميلادية.

المبحث الثالث

الجود والأنفاق

رمضان شهر الجوع والعطش وشهر الأجر والمثوبة والزكاة والصدقات، وفيه يمتحن الإنسان بإرادته، لأنه ثورة تدور كل عام على الإنسان لتهز كيانه وتروضها نحو الصبر والحرمان من الملذات والشبع وليحسّ الصائم بألم جوع الفقير كيف يلذع ويصبر عليه صابرًا مُحتسبًا، لينال الصائم بتقديم صدقة الفطر على مستحقيها الأجر والثواب من عند الله تعالى. وشهر الصيام شهر برٍّ وانفاق وإحسان للمحتاجين وفيه يتوسل المسلمون المثوبة وطلب الغفران، فيمدون يدّ العون والمساعدة لطالبها، فيقيم الصائمون مآدب الإفطار الحافلة بالأطعمة الخاصة، ويقدمون الأشربة، ويظهرون التجمل والإنفاق الكبير في أيامه المعدودات، ويكثرون من الصدقات لذوي الحاجة والعوز.

أجود الناس؟

وُصِفَ الرسول -عليه الصلاة والسلام- بأنه أجود الناس، ولكنه في شهر رمضان كان أجود بالخير من الريح المرسلة لا يسأل عن شيء يقدر عليه إلا أعطاه.

وصدقة الفطر، من الواجبات التي يحرص الصائمون على تقديمها للفقراء والمحتاجين، ففيها طهارة للصائم وأجر كبير عند الله تعالى. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر، صاعًا من تمر وصاعًا من شعير، على العبد والحُر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. وقد سئل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: أي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان.

صدقة رمضان

وصيام شهر رمضان المبارك رياضة شاقة ومُكْلِفَة على الصائمين، بل هو أشقُّ التكاليف والواجبات على الذين تنعموا في حياتهم، ولهذا فإن ثواب وأجر الصائم نجده عظيمًا عند الخالق عزّ وجل، فصيام رمضان مضاعف الحسنات من غير حصرٍ، وكل عمل مقدّرُ الأجر، إلاّ الصيام فجزاؤه عند الله سبحانه وتعالى، ولا يستطيع أحد أن يدرك مداه. يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:"كل عمل ابن أدم له إلاّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". فعلى الصائمين أن يتصدقوا على المحتاجين بما تجود بهِ أيديهم ليفرحوا معهم في صبيحة عيد الفطر المبارك لأنّه كما يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"من تطوع في رمضان بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت