الصفحة 12 من 44

يُسَبِّحُ المسلمون خالقهم الجليل، ويسَبِّح له ما في السماوات والأرض، والتّسبيح في كل الفروض والأوقات وحتى بعد الصلاة وأيام الصيام له أجر عظيم، ويضاعف الله عزَّ شأنه الثواب لكل مُسَبِّحٍ. وسُبحان في اللغة هي: تنزيه الله تعالى عن السوء. فتقول سَبّحْتُ الله تسبيحًا له أي نَزّهته تَنْزِيها، يقول عالم اللغة ابن جِنِّي: سُبحان اسم عَلَم لمعنى البراءة والتنزيه. أما العالِم الزَجّاج فقال في قول الحقّ تعالى في سورة الإسراء/1:"سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ..". أي: أسبح لله تسبيحًا.

وسميت الصلاة تسبيحًا، لأن التّسبيح تعظيم الله الجليل، وتنزيها من كل سوء وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إنّ لله ملائكة يطوفون في الطرقات، يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا أنْ هلمّوا إلى حاجتكم فَيَحِفُونَ إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربّهم وهو أعلم بهم ما يقول عبادي". وسُبُحات وجه الله جلّ جلاله: أنواره وجلاله وعظمته. قال جبريل عليه السلام: إنّ لله دون العرش سبعين حجابًا لو دنا من أحدهما لأحرقتنا سُبُحات وجه ربّنا.

تُبْتُ إليكَ

تشهد أيام الصيام الكريم الكثير من الذين يتوبون إلى بارئهم، والرجوع إلى طاعته وعبادته بعد معصية، ليغفر الله القدير ويكفِّر عن خطاياهم وتكون توبتهم توبة نصوحة خالصه لوجهه العظيم.

وإنَّ من فضل الخالق التوّاب على عباده أنّه يتوب عليهم حين يعودون طالبين منه جلّت قدرته الهداية والرشاد والمغفرة بعد اقتراف الآثام والمحرمات. فالتوبة: الرجوع من الذنب، وفي الحديث:"الندم توبة". يقول الأخفش عالم اللغة: التّوْب جمع تَوْبَة مثل عَزْمَة وعَزْم. أما تاب إلى الله تعالى يتوب توبًا وتَوْبَة ومَتَابًا بمعنى: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة، وأنشد الشاعر:

تُبْتُ إليكَ، فَتَقَبَّلَ تَابَتِي ... وَصُمْتُ رَبِّي فَتَقَبَّلَ صَاَمَتِي

واصل تابَ في اللغة العربية بمعنى: عادَ إلى الله تعالى ورجع وأناب. وتاب الله عليه أي عاد إليه بالمغفرة. كذلك فالتوبة هي الرجوع من الذنب، والتوّاب هو الخالق القدير المُعِيد إلى عبده فضل رحمته، إذا هو رجع إلى طاعته، وندم على معصيته، وكلما تكررت توبة العبد الفقير تكرر القبول من عند الله التوّاب. يقول جلّت قدرته في سورة التوبة/104:"ألَمْ يَعْلَمُوا أنّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويَأخُذُ الصَّدَقَاتِ وإنَّ اللهَ هُوَ التَوَّابُ الرَّحِيمُ". وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول:"والله إنِّي أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". وقال -عليه الصلاة والسلام- في حديث عن عبد الله بن عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما-:"إنّ الله عزّ وجل يقبل توبة العبد مالم يُغَرْغِر".

أحداثٌ رمضانيّة

كانت أمة شريعة محمد النبي صلى الله عليه وسلم على موعد سابق مع القدر المكتوب خاصة في شهر رمضان المبارك. فقد وقعت أحداث وحدثت مناسبات سجلها التاريخ عبر أوراقه، لتدلل على منزلة وفضل شهر الله شهر القرآن والمغفرة، ونورد أربعًا من تلك الأحداث الرمضانية:

فقد بدأت في شهر رمضان أولى ومضات الوحي المرسل وابتدأ فيه نزول كتاب الله العزيز على النبي عليه الصلاة والسلام في غار حرّاء بجبل ثور في مكة المكرمة، وذلك مصداقًا لقوله تعالى في سورة البقرة/ 185:"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيْهِ القُرْآن هُدَىً للنّاسِ وَبَيِنّاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَانِ".

وكان بدء نزول الوحي جبريل- عليه السلام- على النبيّ الكريم- صلّى الله عليه وسلّم في ليلة القدر من يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر رمضان عام 12 قبل الهجرة الشريفة، الأربعين بعد عام الفيل، الموافق ليوم 19 من شهر آب- أغسطس- 610 م، وتصديقًا لقول الحق تعالى في سورة القدر/1 - 5:"إنّا أَنْزَلْنَاه في لَيْلَةِ القَدْرِ، وَمَا أدْرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدْرِ، لَيْلَةُ القَدْرِ خيرٌ مِنَ ألفِ شَهرٍ، تَنَزَّل المَلائِكَةِ والرُّوحِ فيها بإذنِ ربّهِم مِنْ كّلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَى مَطْلَعِ الفَجْرِ".

ووقعت غزوة بدر الكبرى في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة المباركة، الموافق الثالث عشر من شهر آذار- مارس- عام 624م، خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أصحابه وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا فيهم فرسان، وكان معهم سبعون من الإبل يتعاقبون عليها. فكانت هذه الغزوة أول انتصار بارز للمسلمين على مشركي قريش. فقال تعالى في سورة الأنفال/ 9:

"إذْ تَسْتَغِيْثُوْنَ رَبّكُم فاسْتَجَابَ لَكُم أَنِّي مُمِدُّكُم بألفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِيْنَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت