الصفحة 11 من 44

ونلحظ خلال شهر الصوم أنّ روح الصائمين ترتفع، وتسمو عواطفهم تجاه المحتاجين وذوي القربى فيتذكرون المحرومين والمحتاجين فيقدمون إليهم ما تجود به أيديهم. وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسود العاطفة بين المؤمنين في الجود والكرم والإحسان، فقال:"مَنْ فَطّرَ صائِمًا كان له مثل أجره غير أنّه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا". وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر:"ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فيقول أحدهما: اللّهم أعطِ مُنفقًا خَلفَا ويقول الآخر الّلهم أعطِ مُمْسِكًا تَلفا".

تدريب الصائمين

يأتي شهر الصيام ليعلم المسلمين نظامًا جديدًا في ثلاثين يومًا، فهو يختلف عن بقية اشهر السنة المتخمة بالأكل والشرب وسائر الأفعال والأعمال. لذا نجد الصوم في رمضان دورة تدريبية للمسلم طيلة شهر رمضان، حيث تعطيه هذه الدورة الرمضانية التدريب على الصبر، والصبر على الرزق الحلال، وعلى منغصات الحياة ومصائب الأيام. ويتهذب ضمير الصائم وتتربى عواطفه الإنسانية ويتروّض لمكارم أخلاقه وشمائله، وتتألق بالصيام في الشهر المبارك الإنسانية فيتغلب عقل الإنسان على كل النوازع والهوى فيمسك بمقود الأمور وتسير حياته صوب جادة الهداية الحقّة والشرع البين. لذا يتدرب الصائمون في رمضان على إتباع نظام دقيق وصارم لا فرار منه منذ طلوع الفجر الصادق ولا يجوز لأحد أن يبدأ بتقديم هذا النظام أو تأخيره دفعًا للمشقة الزائدة عن نفسه، إذن هو ملتزم بالإمساك عن الطعام بموعد ثابت، وأن يفطر بوقت معين.

فرمضان شهر تدريب على الجوع والشهوات والصبر والصحة، حيث يعطي الصيام الإنسان درسًا في الصحة العامة كي تستريح أجهزة الهضم التي تعمل في كل أشهر السنة لكنها في رمضان تأخذ قسطًا من الراحة للإدامة. وهذا كله يحتاج إلى راحة وخلود بعد تعب وجهد طويلين. ولا يكون هذا الخلود إلا بتوفر صوم الإنسان في رمضان حيث ينشأ الصائم متدربًا على الإمساك منذ الفجر إلى المغرب ليعطي لأجهزة جسمه نوعا من الراحة بعد التعب لتستمر بعملها بعد انتهاء رمضان الكريم بما خلقها تعالى لتؤدي مسيرتها بكل نشاط.

ويحفل الشهر الكريم على العديد من الفضائل التي سمت به إلى المنزلة الرفيعة بين أشهر السنة كلها. فقد رُوِيّ عن النبي محمد - عليه الصلاة والسلام- الكثير من الأحاديث الخاصة بفضائل الصوم في رمضان. فقال صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:"إذا نَسِيّ فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه". وعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يزال الناس بخير ما عجلوا في الفطر". وعن الترغيب في السحور في رمضان، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تسَحَرُوا فإنّ في السحور بركة".

وأخرج الإمام البخاري رضي الله عنه في قيام الليل بشهر رمضان، أنه عليه الصلاة والسلام قال:"مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". وعن سماع آذان بلال بن رباح -رضي الله عنه- قالت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أنّ بلالًا كان يُؤذن بالليل فقال رسول الله صلى عليه وسلم:"كُلوا واشربوا حتى يُؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر". وكان النبي عليه الصلاة والسلام يُفطر قبل أن يُصلي، وكان إفطاره على رطبات فإن لم يجدها فعلى تمرات فإن لم يجدها فعلى حسوات من ماء.

العمرة أيام الصيام

الحجّ من أركان الإسلام وفرض على كل مسلم ومسلمة من استطاع إليه سبيلا. وهناك من يود أن يعتمر إلى البيت الحرام ليس في وقت الحج المعلوم، إنما في كل أيام السنة ونجد من يحب العمرة في أيام شهر رمضان الكريم.

فالعُمْرَة والعُمُرُ والعَمْرُ: الحياة يقال قد أطال الله عَمَرّهُ وعَمَرَهُ وإذا أقسموا قالوا: لَعَمْرُكَ وسُمٍيَّ الرجل عُمَرًَا تفاؤلا أن يبقى. فتقول العرب في القسم: لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ. يقول الله عزّ وجل في سورة الحجر/72:"لَعَمْرُك إنَّهم لَفِي سَكْرَتِهِم يَعْمَهُون". وقوله الكريم في سورة البقرة/196:"وأتِمُّوا الحجَّ والعُمْرَةَ للهِ". وقال عالم اللغة الزَجّاج معنى العمرة في العمل:"الطواف في البيت والسعيّ بين الصفا والمروة فقط". وأخذت العمرة من الاعتمار وهي: الزيارة، قال الأسود: خرجنا عُمّارًا فلما انصرفنا مررنا بأبي ذر فقال: أطلقتم الشعث وقضيتم التفث عُمَارًا؟ أي مُعتمرين.

وقد اعتَمَرَ النبي محمد -عليه الصلاة والسلام -في ذي القعدة لفضيلة هذا الشهر وكذلك لمخالفة الجاهلية في ذلك، لأنهم كانوا يرونه من أفجر الفجور ففعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشهر ليكون أبلغ في بيان جَوَازِه فيها وأبلغ في إبطال ما كان عليه العرب قبل ظهور الإسلام الحنيف.

التسبيح في رمضان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت