الصفحة 10 من 44

فرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة المباركة على المسلمين، وهو موسم عبادة وذكر وقيام وتلاوة، واعتكاف في بيوت الله تعالى. وقد بينت السنة الشريفة المطهرة فضائل هذا الشهر العظيم بأحاديث صحيحة عن شارع الأمة رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم.

خمس خصال

وأشار النبي -عليه الصلاة والسلام- في حديث شريف إلى بعض خصال شهر رمضان بقوله:"أعطيت أمتي خمس خصال في شهر رمضان لم تعطهن أمة قبلها .. خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا .. وتصفد فيه مردة الشياطين، ويزين الله تعالى كل يوم الجنة، ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يكف عنهم السوء والأذى، ويغفر لهم في آخر ليلة منه، قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل يوفي أجره إذا قضى عمله".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الربّ- وعزتي وجلالي لأنْصُرنّك ولو بعد حين"."

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا كانت أول ليلة من شهر رمضان نادى الجليل- جلّت قدرته- رضوان خازن الجنّة، فيقول: لبيك وسعديك فيقول: أدخل جنتي وزينها للصائمين من أمة محمّد ولا تغلقها حتى ينقضي شهرهم. ثم ينادي: يا مالِك - خازن النار- فيقولك لبيك وسعديك، فيقول: أغلق أبواب جهنّم عن الصائمين من أمة محمّد، ولا تفتحها حتى ينقضي شهرهم. ثم ينادي يا جبريل فيقول لبيك وسعديك فيقول: انزل إلى الأرض وصَفِّد وغَلِّل المَرَدَة عن أمة محمّد، لَئِلا يُفْسِدُوا عليهم صومهم وإفطارهم".

موسمُ خصبٍ للعبادة

رمضان شهر القرآن العظيم، تتخلص فيه الروح من نوازع الهوى وتحصيل ما يبغي الجسد، وهو شهر التقوى والصبر والجَلَد. وأيام الصوم موسم خصب كريم للتسابق بين الصائمين نحو مرضاة الله تعالى وطلب رحمته الواسعة بإعلانهم الصيام وكبت كل الجوارح، وتطهير النفس الإنسانية من هواها لكي تصفو وتدنو من رحمة ربِّ العرش العظيم، وقدوتهم في ذلك سيرة الخاتم العاقب محمّد عليه الصلاة والسلام. فالمسلمون يحيون ليلهم الطويل في تلاوة كتاب الله العزيز، وبعث سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتقديم أنواع العبادات والطاعات. وكان المسلمون وما زالوا يطعمون الطعام أيام شهر الفضيلة إلى الفقراء نيلا للثواب وتفطير الصائمين المجاويع. ومثلما هي عادة المسلمين في إحياء العشر الأواخر من رمضان بأداء العبادة والدُعاء وختم القرآن المجيد، فقد كان ختم القرآن العزيز يتم في مكة المكرمة، وفي المدينة المنورة. أما عندما تحلّ ليلة القدر المباركة، فيحرص المسلمون على إحيائها، فيجتمع المصلون مع الأئمة لتلاوة القرآن الكريم، ويدعون من الخالق تعالى الثواب والغفران، وهم على هذه الحال حتى مطلع الفجر، وهذا ما نشاهده اليوم من مظاهر مدن الإسلام في كل حدب وصوب لتجمع المسلمين على مظهر واحد من مظاهر شريعة أمة الرسول محمّد -عليه الصلاة والسلام- لتبعث في نفوسهم القيم السَمِحَة وتمنحهم جَلال وحَلاوة الإيمان.

الصيام وصفاء النّفس

يتدرب صائمو الشهر الفضيل على أوقات معلومة ومحددة طيلة الأيام الرمضانية، كموعد الإفطار والسحور، وصلاة التراويح، وتحرِّي ليلة القدر المباركة. يقول الحق تعالى في سورة البقرة/ 187:"وَكُلُوا واشْرَبُوا حتى يَتَبَيَّنَ لكُم الخَيطُ الأبيضُ مِنَ الخَيطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيلِ ...".

ويمتنع الصائمون طيلة أيام شهر الصيام عن تناول الأكل والشرب بوقت محدد. لكنّ نِعَمَ الله عزّ وجل لا تُعَدُ ولا تُحْصَى، يقول جلّ جلاله في سورة فاطر/3:

"يا أيُّها النَّاسُ اذكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ لا إلهَ إلاّ هُوَ فأنَّى تُؤْفَكُونَ". فالصائم في شهر الطاعات سيجعل حياته في نور -باسم الله تعالى - تحيا، فيمتنع عن الأكل والشرب بأمر خالقه الرؤوف عند وقت السحور. ويفطر يوم صيامه باسمه عزّ شأنه عند سماعه نداء الله أكبر وقت المغرب. ولهذا تصفو روح الصائمين العابدين مهتدية بأمر بارئها في قوله تعالى في سورة الأنعام/162 - 163:"قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ ومَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ لا شَرِيْكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنَا أوَّلُ المُسلِمِيْنَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت