فهرس الكتاب
فأشتاق الناس إلى الجنة وارتفع بكاء بعضهم ورخصت عليهم أنفسهم في سبيل الله فوثبت عجوز من بين النساء وهي أم إبراهيم البصري وقالت: يا أبو عبيد أتعرف ابني إبراهيم الذي يخطبه رؤساء أهل البصرة إلى بناتهم وأنا أبخل به عليهم؟ قال: نعم قالت: والله قد أعجبني حسن هذه الجارية وقد رضيتها عروسا لابني إبراهيم فكرر ما ذكرت من أوصاف لعل نفسه تشتاق. فقال أبو عبيد:
إذا ما بدت والبدر ليلة تمه * * * رأيت لها فضلا مبينا على البدر
وتبسم عن ثغر نقى كأنه من * * * اللؤلؤ المكنون في صدف البحر
فلو وطئت بالنعل منها على الحصى* * * لأزهرت الأحجار من غير ما قطر
ولو شئت عقد الخصر منها عقدته* * * كغصن من الريحان ذي ورق خضر
ولو تفلت في البحر حلو لعابها* * * لطاب لأهل البر شرب من البحر
أبى الله إلا أن أموت صبابة * * * بساحرة العينين طيبة النشر
فلما سمع الناس ذلك اضطربوا وكبروا وقامت أم إبراهيم وقالت: يا أبو عبيد قد والله رضيت بهذه الجارية زوجة لابني إبراهيم فهل لك أن تزوجها له في هذه الساعة وتأخذ مني مهرها عشرة ألاف دينار لعل الله أن يرزقه الشهادة فيكون شفيعا لي ولأبيه يوم القيامة؟ فقال أبو عبيد: لأن فعلتي فأرجوا والله أن تفوزوا فوزا عظيما. فصاحت العجوز: يا إبراهيم ... يا إبراهيم فوثب شاب من وسط الناس وقال: لبيكي يا أماه فقالت: أي بنيا أرضيت بهذه الجارية زوجة لك ومهرها أن تبدل مهجتك في سبيل الله؟ قال: أي والله يا أماه فذهبت العجوز مسرعة إلى بيتها ثم جاءت بعشرة ألاف دينار ووضعتها في حجر عبد الواحد بن زيد ثم رفعت بصرها إلى السماء وقالت: اللهم إني أشهدك أني زوجت ابني من هذه الجارية على أن يبدل مهجته في سبيلك فتقبله مني يا أرحم الراحمين.