فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 121

وكذلك قولُه: { إِنَّ الذينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسْنَى أُولئك عَنْها مُبْعَدُون } لأنك لو قلت: { لَهُمْ فيها زَفيرٌ وهُمْ فيها لا يَسْمعُون } "فالذين سَبَقتْ لهم منَّا الحسنى"لم تجدْ لإِدخالِك الفاء فيه وجهًا (1) .

وضابط"إن"التي تصح أن تخلفها الفاء: أن كل جملة دخلت عليها"إن"لتقوية جملة سابقة ومقررة لها فإن الفاء تصح مكانها مثل قوله تعالى: { إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظيمٌ } فإنها مؤكدة لمقصود قوله تعالى: { يا أيها الناس اتقوا ربكم } ولِمَ أمروا أن يتقوا.

وكذلك قوله تعالى: { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } فإن جملتها بيان لمعنى أمر النبي- صلى الله عليه وسلم - بالدعاء لهم (2) .

وهنا أنبه إلى أمور:

أن البلاغة لا تحصل بسبب مفهومات الألفاظ مثل أن"الواو"للجمع، والفاء للتعقيب دون تراخي، وهكذا بل بسبب العلم بالمواضع التي تليق بها معاني هذه الحروف.

كون الكلمة حسنت في موضع منكرة لا يلزم ذلك حسنها دائمان بل ذلك بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام.

لا يحصل النظم أو مراعاة التأليف في الكلمة الواحدة بل في كلمات ضم البعض إلى البعض، وذلك النظم يعتبر فيه أحوال المفردات وأحوال انضمام بعضها إلى بعض (3) .

أقسام النظم:

إذا نظمت الجمل نظما واحدا فلا يخلو: إما أن يتعلق البعض بالبعض، أو لا يتعلق.

أولًا: إذا لم يتعلق البعض بالبعض: كقول أحدهم:"جنَّبكَ اللُه الشُّبهةَ، وعصَمكَ منَ الحَيْرة، وجعَلَ بينَكَ وبينَ المعرفة نَسَبًا، وبينَ الصَّدقِ سَببًا"وهذا الضرب من النظم لا يستحق الفضيلة إلا بسلامة معناه وسلاسة ألفاظه، إذ ليس فيه معنى دقيق لا يدرك إلا بثاقب الرأي ودقيق النظر.

ثانيًا: الجمل التي يتعلق بعضها ببعض: وهنا تظهر جودة القريحة، وكلما كان أجزاء الكلام أقوى ارتباطا وأشد التحاما كان أدخل في الفصاحة.

المبحث الأول

(1) دلائل الإعجاز 248

(2) التبيان 102

(3) روض البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت