فهرس الكتاب
بفساد النظم وسوء التأليف (1) (2) .
فعليك أن تراعي أحوال التأليف بين المفردات والجمل حتى تكون أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء، ومن الأمثلة الرائقة في ذلك قول بعض العرب:
فغنها وهي لك الفداء إن غناء الإبل الحداء
فالرابط بين الجملتين"إنّ"ولو سقطت لاختل النظم إلا أن تأتي بالفاء، وليس الإتيان بالفاء يصح في كل موضع تحل فيه"إنّ"فإِنك قد تراها قد دخلت على الجملةِ ليست هي مما يَقْتضي الفاء، كما في قولهِ تعالى: { إنَّ المُتَّقينَ في مَقامٍ أَمِينٍ . في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } وذاكَ أنَّ قبله { إنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } ومعلومٌ أنك لو قُلت:"إنّ هذا ما كنتُم به تَمْترون فالمُتَّقونَ في جناتٍ وعيونٍ"لم يكن كلاما.
(1) كان حق الشاعر أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه، فإنه يمدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان، فقال: وما مثله يعني إبراهيم الممدوح في الناس حي يقاربه أي أحد يشبهه في الفضائل إلا مملكا (يعني هشاما) أبو أمه (أي أبو أم هشام) أبوه (أي أبو الممدوح) فالضمير في"أمه"للملك، وفي"أبوه"للممدوح، ففصل بين"أبو أمه"وهو مبتدأ و"أبوه"وهو خبره"بحي"وهو أجنبي، وكذا فصل بين"حي"و"يقاربه"وهو نعت حي بـ"أبوه"وهو أجنبي، وقدم المستثنى على المستثنى منه، فهو كما تراه في غاية التعقيد، فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي ما سلم نظمه من الخلل فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك إلا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة لفظية أو معنوية.
(2) روض البيان.