فهرس الكتاب
ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة لتلك العلة بعينها، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضًا، لأن مخاطبة الرب تبارك وتعالى بإسناد النعمة إليه تعظيم لخطابه.
وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: { َقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا88} لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا {89} [مريم]
وإنما قيل: { لقد جئتم } وهو خطاب للحاضر بعد قوله: { وقالوا } وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجراءة على الله تعالى، والتعرض لسخطهِ وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قومًا حاضرين بين يديه منكرًا عليهم وموبخًا لهم.
ومما ينخرط في هذا السلك الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفسِ .
كقوله تعالى: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ11} فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {12} [فصلت] .
وهذا رجوع من الغيبة إلى خطاب النفسِ فإنه قال: (وزينا) بعد قوله: (ثم استوى) وقوله: (فقضاهن) (وأوحى) .
والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظًا ولا رجومًا.
فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس، لأنه مهم من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه، وفي خلاف هذا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الغيبة
ومما ينخرط في هذا السلك أيضًا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعةِ كقوله تعالى: { وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [يس:22]