فهرس الكتاب
وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم، لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحةِ، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم، لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلاّ ما يريد لنفسه.
وقد وضع قوله: { وما لي لا أعبد الذي فطرني } مكان قوله: { وما لكم لا تعبدون الذي فطركم }
ألا ترى إلى قوله: { وإليه ترجعون } ولولا أنه قصد ذلك لقال:"الذي فطرني وإليه أرجع"
وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: { إني آمنت بربكم فاسمعون } .
ب- وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة فكقوله تعالى: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [يونس:22]
فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة، وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم، ولو قال:"حتى إذا كنتم في الفلك، وجرين بكم بريح طيبة، وفرحتم بها"وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة.
ومما ينخرط في هذا السلك قوله تعالى: { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ92} وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ {93} [الأنبياء] .
الأصل في"تقطعوا: تقطعتم"عطفًا على الأول، إلاّ أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفاتِ، كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول:"ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى، فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعًا"وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم.