الصفحة 469 من 1979

مرضه ووفاته: كان الشافعي من الأئمة العاملين فرابط فترة في مصر في الثغور وهي المواضع التي يُخشى هجوم العدو منها على بلد مسلم. وفي آخر حياته ظهرت عليه علة البواسير و كان يظن أنَّ هذه العلة إنما نشأت بسبب استعماله اللُّبان - وكان يستعمله للحفظ - وبسبب هذه العلة ما انقطع عنه النزيف وربما ركب فسال الدم من عقبيه. وكان لا يبرح الطست تحته وفيه لبدة محشوة، وما لقي أحد من السقم ما لقي.

والعجيب في الأمر بل يكاد يكون معجزًا أن تكون هذه حال الشافعي و يترك في مدة أربعة سنوات كلها سقم من اجتهاده الجديد ما يملأ آلاف الورق مع مواصلة الدروس والأبحاث والمناظرات والمطالعات في الليل والنهار، وكأنَّ هذا الدأب والنشاط في العلم هو دواؤه الوحيد الشافي!. وألحَّ على الشافعي المرض وأذابه السقم ووقف الموت ببابه ينتظر انتهاء الأجل. وفي هذه الحال، عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، دخل عليه تلميذه المزني فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحتُ من الدنيا راحلًا وللإخوان مفارقًا و لكأس المنيَّة شاربًا وعلى الله جلَّ ذكره واردًا ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنِّئها أو إلى النار فأعزِّيها! ثم بكى وأنشأ يقول:

ولما قسى قلبي و ضاقت مذاهبي جعلتُ الرَّجا مني لعفوك سلَّما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت