الصفحة 28 من 32

وفي رأيي أنَّ هذه الحُجَّة من أقوى الحجج التي يمكن أنْ تساق في هذه المسألة، وذلك لأنَّ الرأي الراجح عند الفقهاء والتي يؤيده كثير من النصوص والأدلة هو وجوب الزكاة على الصبي والمجنون [1] ، وهما ناقصا الأهلية ـ أي أهلية الأداء ـ أو عديماها، وهو القدر المتفق عليه بالنسبة للشخص الاعتباري، وقد نظروا في ذلك إلى الأدلة التي أوجبت الزكاة في المال بغض النظر عن صاحبه، والأدلة التي نظرت إلى المصلحة المتحققة من إخراج الزكاة، وإنها حق الفقير والمسكين، وسنذكر فيما يلي ما يؤكد هذه الحُجَّة ويدلل على جواز أخذ الزكاة من الشخص الاعتباري، وهي:

[1] ما جاء في"الإحكام في أصول الأحكام"قوله:"فإنْ قيل: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلّف فكيف وجبت عليهما الزكاة والنفقات والضمانات؟ وكيف أمر الصبي المميز بالصلاة؟ قلنا: هذه الواجبات ليست متعلقة بفعل الصبي والمجنون، بل بماله أو بذمته، فإنه أهل للذمة بإنسانيته المتهيئ بها لقبول فهم الخطاب عند البلوغ" [2] .

ومما لا خلاف فيه بين الفقهاء أنَّ للشخص الاعتباري ذمة مالية كذمة الصبي والمجنون، والزكاة كما ورد متعلقة بالمال والذمة، ولا اعتبار لأهلية الأداء فيها من جهة، وهذا ما جاء في"المبسوط":"فأصل الوجوب ثابت بإيجاب الله تعالى، وسبب الوجوب ما جعله الشرع سببًا وهو المال، والواجبات تضاف إلى أسبابها، ولكن المال سبب باعتبار غنى المالك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه: (أعلمهم أنَّ الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم) [3] ."

[2] وكذلك فإنَّ إيجاب الزكاة على مال الصبي أو المجنون ـ وهما عديما أو ناقصا الإرادة ـ قد نظر فيه إلى المصلحة المتحققة من الزكاة، وأخذ الزكاة من مال الشخصية الاعتبارية يحقق هذه المصلحة بصورة

(1) د. القرضاوي: فقه الزكاة، 1/ 126 - 138، انظر المسألة تفصيلًا.

(2) الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، 1/ 130.

(3) الميسوط للسرخسي، 2/ 149، وانظر: المنتقى للباجي، 2/ 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت