الصفحة 50 من 51

المبحث السابع

الأثر الاجتماعي لزكاة الفطر

ذكرنا في حكمة مشروعية زكاة الفطر أن الله سبحانه وتعالى قد شرعها تطهيرا للصائم مما يكون قد وقع منه أو تردى فيه من المعاصي أثناء صومه سواء كان ذلك عن طريق القول أو الفعل.

كما أنها في نفس الوقت طعمة للمساكين، وإغناء للمحتاجين عن السؤال يوم العيد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «زكاة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين» وقال: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم» .

وإذا نظرنا إلى هذه الحكمة نجد أنها تحتوي على أثرين هامين:

أحدهما يتعلق بالفرد، والآخر يتعلق بالمجتمع، وسنتكلم عن كل من الأثرين على النحو التالي:

الأثر الأول: -يتعلق بالفرد وهو الصائم في شهر رمضان، فيجب على هذا الصائم أن يكون صومه كاملًا، ويتحقق هذا بصون لسانه وجوارحه عما نهى الله ورسوله عنه من قول أو فعل، فلا يتكلم بفحش القول ولغو الكلام، ولا ينطق إلا بما هو خير كما جاء في الحديث: «فليقل خيرًا أو ليصمت» ، ولا يسمح لعينه أو ليده أو أذنه ورجله أن ترتكب محرمًا أو تقترف إثما؛ لأن الصوم ليس صومًا عن شهوتي البطن والفرج فحسب، وإنما هو صوم كامل عن جميع الشهوات حتى يحقق الفائدة المرجوة منه ويفوز الصائم في الدنيا والآخرة، فمن صام عن الأكل والشرب فقط ولم تصم جوارحه حيث ترك العنان للسانه في الكلام عن الناس، والسير بالنميمة، واستراق السمع، وسمع المحرم من القول، وسعي في الخراب والفساد، وارتكب المنكر بيده فمثل هذا ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش فقد ورد: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» .

والإنسان بحكم الضعف البشري الغالب فيه ليس معصوما عن ارتكاب إثم أو فعل محرم، وقلما يسلم صائم من مقارفة ذنب أو الإتيان بما يكدر صومه فجاءت زكاة الفطر تطهيرا له مما عساه أن يكون قد وقع فيه من وزر وتجبر ما في صيامه من قصور وما شابه من خلل؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.

فزكاة الفطر تعمل عمل السنن الراتبة مع الصلوات الخمس المفروضة تجبر ما قد يحدث فيه من غفلة وما اعتراه من شائبة أو هي بمثابة سجدة السهو كما قال وكيع بن الجراح: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدة السهو للصلاة، وتجبر نقصان الصوم كما يجبر السجود نقصان الصلاة [1] .

وإذا علم الصائم أن زكاة الفطر لها هذا الأثر العظيم من محو كل ما علق بالصوم من شائبة وطهرة من كل ما لحقه من ذنب فإنه -ولا شك- يسعد بهذا التطهير ويخرجها بنفس راضية ويبادر بإخراجها ويتمتع بعيده السعيد، ويقبل على الحياة بقلب مطمئن ونفس راضية، ويحنو على الفقير والضعيف، ويصبح الجميع بنعمة الله إخوانا، ويتوجه الجميع للعمل، ويعم الرخاء.

الأثر الثاني: يتعلق بالمجتمع من إشاعة المحبة والسرور يوم العيد خصوصًا لدى الفقراء والمحتاجين؛ لأن سعادة المجتمع بسعادة أفراده.

فالفقير إذا وجد الغني يهتم به ويعطف عليه ويعطيه مما عنده، فإن هذا يسعده أيما سعادة ويحب الخير لهذا الغني ويدعو له بالمزيد، ويزول الحقد من قلوب الفقراء على الأغنياء، فيتماسك المجتمع المسلم وتعم الفرحة والسرور، ويصبح العيد عيدا سعيدا على الجميع؛ لأنهم تعاونوا على البر والتقوى فقد شعر الضعيف باعتناء القوي له واهتمام به، كما شعر الفقير بأن الغني لم ينسه في هذه الأيام السعيدة، لذا فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أغنوهم عن الطواف هذا اليوم» .

(1) نهاية المحتاج: جـ 3، ص 110 ط الحلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت