فهرس الكتاب
بغير أن يقسط (يعدل) في صداقها (مهرها) فلا يعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهى الأولياء عن نكاح من عندهم من اليتامى إلا أن يقسطوا إليهن، ويبلغوا بهن أعلى سنّتهن في الصداق (أي يعطوهن مهر مثيلاتهن) وأمروا - في حالة خشية عدم العدل - أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء غيرهن .. وروى أبو جعفر محمد بن جرير في تفسيره عن ربيعة في معنى الآية: قال تعالى عن اليتامى: اتركوهن فقد أحللت لكم أربعا .. وقال أبو جعفر أيضا نقلا عن آخرين: انكحوا غيرهن من الغرائب اللواتي أحلّهن الله لكم وطيّبهن من واحدة إلى أربع، فإن خفتم أن تظلموا إذا تزوجتم من الغرائب أكثر من واحدة، فتزوجوا منهن واحدة فقط، أو ما ملكت أيمانكم .. وقال آخرون: بل معنى ذلك النهى عن نكاح ما فوق الأربع حرصا على أموال اليتامى أن يتلفها الأولياء، وذلك أن قريشا - في الجاهلية - كان الواحد منهم يتزوج العشرة من النساء أو أكثر أو أقل، فإذا أنفق ماله كله على زوجاته العشر و صار معدما تحول إلى مال اليتامى فأنفقه على نسائه أو تزوج به أخريات فنهاهم الله تعالى عن ذلك. (20) .وقال الإمام النسفى في تفسيره:
(قيل: كانوا - في الجاهلية - لا يتحرّجون من الزنا، ويتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل لهم إن خفتم ظلم اليتامى فخافوا كذلك من الزنا فتزوّجوا ما حلّ لكم من النساء، ولا تحوموا حول المحرمات .. أو أنهم كانوا يتحرّجون من الولاية في أموال اليتامى، ولا يتحرّجون من الاستكثار من النساء مع أن الظلم يقع بينهن إذا كثرن عن أربع، فكأنما يقال لهم: إذا تحرّجتم من ظلم اليتامى فتحرّجوا أيضا من ظلم النساء الكثيرات، فإن خفتم من عدم العدل بين الزوجات فالزموا واحدة أو الإماء(الجواري) بلا حصر حتى لا تظلموا أحدا (21)
و معنى (خفتم) هو: إذا غلب على الظن عدم القسط (عدم العدل) في اليتيمة فاعدلوا عنها (اتركوها إلى غيرها) .. وليس القيد هنا لازما، بمعنى أنه حتى في حالة من لم يخف الظلم في اليتامى فله أن يتزوج أكثر من واحدة (اثنتين أو ثلاثا أو أربعا) مثل من يخاف الظلم تماما (22) فإباحة التعدد حكم عام لكل المسلمين بضوابطه.
ومعنى قوله تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا) أي أقرب إلى ألا تظلموا، وليس كما ذهب إليه البعض: (أدنى ألا تكثر عيالكم) فقد نقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وابن عمير أن العول هو الجور (الظلم) والميل، و ليس المعنى كما قال آخر: ذلك أدنى ألا تفتقروا، فانه لا يستقيم بذلك، وإنما الصحيح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الهدف هو ألا تظلموا وألا تميلوا عن الحق.
عدم الزيادة على أربع
يستفاد من نص الآية الكريمة وأقوال المفسّرين - رضي الله عنهم - أن الله تعالى أحل للمسلم من زوجة واحدة إلى أربع. ولا تجوز الزيادة على أربع زوجات في وقت واحد، فإذا خاف الزوج أن يظلم إذا تزوج أكثر من واحدة فإن عليه أن يكتفي بزوجة واحدة فقط. وإذا خاف ألا يعدل إن تزوج ثلاثة فعليه الاكتفاء باثنتين، وكذلك إذا خاف زوج الثلاث الظلم إن تزوّج بالرابعة فعليه الاقتصار على الثلاث فقط.
والشريعة الغراء تحظر حتى الزواج بواحدة فقط إذا خاف الزوج أن يظلمها .. فالإسلام العظيم حريص على العدل في كل الظروف و الأحوال.
وهناك إجماع بين العلماء على عدم جواز الجمع بين أكثر من أربع زوجات (23) وإذا كان الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) قد جمع بين 11 أو 13 من الزوجات، فهذا حكم خاص به عليه السلام، ولا يجوز القياس عليه أو تعميمه.