فهرس الكتاب
وسوف نورد - فيما بعد - أسباب اقترانه عليه السلام بكل زوجة وظروف كل زيجة لإزالة اللبس وسوء الفهم والرد على أكاذيب المستشرقين واليهود بهذا الصدد ..
قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في مسنده: (وقد دلت سنّة النبي(- صلى الله عليه وسلم -) المبيّنة عن الله تعالى أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة) .. وذهب بعض الشيعة إلى جواز
الجمع بين تسع نسوة لكل مسلم (مثنى + ثلاث + رباع فيكون المجموع تسعا) !!
وفى رأى أخر شاذ: يجوز الجمع بين 18 زوجة (على أساس أن مثنى تفيد 2+2 وثلاث تفيد 3+3، ورباع تفيد 4+4 فيكون المجموع 18 زوجة) !!!
ولكن نصوص السنّة القاطعة وعمل الصحابة والتابعين، تفيد اقتصار المسلم على أربع فقط، كما أجمع علماء أهل السنّة من السلف والخلف على أنه لا يجوز لغير النبي (- صلى الله عليه وسلم -) الزيادة على أربع زوجات. ونشير هنا إلى الأحاديث التي سبق أن أوردناها في الفصل الأول من هذا الكتاب، ومنها حديث الإمام البخاري رضي الله عنه (رواه مالك والنسائي والدارقطنى أيضا) أن غيلان الثقفي قد أسلم وله عشر زوجات فقال له النبي (- صلى الله عليه وسلم -) : (( اختر منهن أربعا وفارق سائرهن ) ).
وكذلك حديث أبى داود أن حارث بن قيس الأسدى قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) فقال: (( اختر منهن أربعا ) ). (24)
وقال ابن كثير: انكحوا من شئتم من النساء إن شاء أحدكم اثنتين وإن شاء ثلاثا وإن شاء أربعا، كما قال تعالى:) الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (.(25) أي منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة .. والمقام هنا كما يقول ابن عباس - رضي الله عنه - وجمهور العلماء هو مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز للرجال الجمع بين أكثر من أربع زوجات لذكره الله سبحانه و تعالى. (26)
ورد الإمام القرطبى على من زعم إباحة أكثر من أربع قائلا: (قال هذا من بعد فهمه للكتاب والسنّة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمّة، وزعم أن"الواو"في الآية جامعة، والذي صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة هم الرافضة وبعض أهل الظاهر. وذهب البعض إلى أقبح منها فقالوا بإباحة الجمع بين ثماني عشر زوجة، وهذا كله جهل باللسان(اللغة) والسنّة، ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع).
وبعد أن أورد الأحاديث التي أمر فيها الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) الصحابة المشار إليهم بإمساك أربع وتطليق ما زاد عليهن، أكد القرطبى أن ما أبيح للرسول (- صلى الله عليه وسلم -) من الجمع بين تسع زوجات أو أكثر هو من خصوصياته (- صلى الله عليه وسلم -) ثم قال القرطبى: (الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات، والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين ثلاثة أربعا، وكذلك تستقبح من يقول: أعط فلانا أربعة ستة ثمانية ولا يقول ثمانية عشر. وإنما الواو في الآية الكريمة(مثنى وثلاث ورباع) ، هي للبدل، أي أنكحوا ثلاثا بدلا من مثنى، ورباعا بدلا من ثلاث) .. فإذا تزوج بخامسة يبطل العقد، ويقام عليه الحد على اختلاف بين العلماء في ذلك. وقيل: ولماذا لم يستخدم الله تعالى لفظ (أو) في الآية؟ ورد عليه القرطبى بأن (أو لو استخدمت لجاز أن يمنع زوج الاثنين من اتخاذ ثالثة وزوج الثلاث من اتخاذ رابعة، بينما هذا مباح له) . (27)