الصفحة 29 من 61

القدرة على أعباء التعدد

أشرنا من قبل إلى أن القدرة شرط لاستخدام رخصة تعدد الزوجات. وذلك لأن زواج الثانية أو الثالثة أو الرابعة هو مثل زواج الأولى، فيشترط فيه الاستطاعة المالية والصحية والنفسية .. فإذا انتفى شرط القدرة أو الاستطاعة فلا يجوز التعدد. وذلك بديهي، لأن من لا يستطيع الإنفاق على بيتين يجب عليه الاقتصار على واحدة. وزوج الاثنتين عليه الاقتصار علبهما إذا لم يكن في استطاعته أن يعول زوجة ثالثة أو رابعة وهكذا ..

والإنفاق الذي نقصده إنما يمتد أيضا إلى أولاده من الزوجة أو الزوجات. والاستطاعة الصحية - في رأينا - هي القدرة على ممارسة الجماع مع الزوجات، لأن واجب الزوج أن يلبّى الرغبات الطبيعية للزوجة أو الزوجات حتى يساعدهن على التزام العفّة والطهارة .. فإذا كان الزوج عاجزا جنسيا مثلا فإنه لا يمكن السماح له بإمساك ولو زوجة واحدة، لأن في ذلك ظلما فادحا لها ..

ونرى كذلك أن الرجل الذي تؤهله قدرته الجنسية للزواج بواحدة فقط يحظر عليه الاقتران بغيرها حتى لا يظلمها، ويفوّت عليها مصلحتها من الزواج، والأمر في ذلك يتوقف على ظروف كل حالة على حدة، ويعتمد أولا على ضمير الزوج وصدقه مع النفس، وورعه في دينه سوف يمنعه من ظلم زوجته أو زوجاته.

فإذا أصر الرجل على إمساك زوجة أو زوجات لا يقدر على إمتاعهن بالجماع بالقدر المعقول، فإن لها أو لهن الحق في اللجوء إلى القضاء لطلب التطليق للضرر وخشية الفتنة .. وللقاضي هنا سلطة واسعة في تقدير مدى الضرر حسب كل حالة على حدة ..

أما القدرة النفسية فنعنى بها القدرة على تطبيق معايير العدالة بين الزوجات في كل شئ ممكن، بغير محاباة لإحداهن أو لأولاده منها، على حساب زوجته أو زوجاته الأخريات وأولادهن منه، و ألا تغلبه إحداهن على أمره فيظلم ضرائرها .. فإذا تخلف أحد مقومات الاستطاعة أو المقدرة الثلاثة المذكورة لا يجوز للرجل تطبيق تعدد الزوجات ..

العدل بين الزوجات

يقول الله تبارك وتعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة .. ) (28)

ويقول عزّ من قائل:) وَلَن تَسْتَطِيعُو ا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (( 29) فكيف يمكن التوفيق بين النصّين؟ وما هي العدالة المطلوبة؟

يقول الإمام القرطبى: (( أخبر الله تعالى بعدم استطاعة تحقيق العدل بين النساء في ميل الطبع في المحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت