الصفحة 51 من 61

وقد عاتب الله رسوله بسبب السيدة مارية. فقد جامعها الرسول صلى الله عليه وسلم مرة في بيت زوجته حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فغضبت السيدة حفصة وحزنت أشد الحزن، وقالت لزوجها عليه السلام:"ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا لهواني عليك"، فلم يجد الزوج الحنون الرحيم ما يُطَيِّب به خاطر زوجته إلا أن يُحَرِّم على نفسه أن يقرب أم ولده السيدة مارية، وحلف لحفصة ألا يقربها. فنزل في ذلك قوله تعالى:) ياأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (( التحريم: 1) . قال العلماء أن الله تعالى أعلم نبيه أن وطء جاريته حلال له، ولا يجوز له أن يُحَرِّم ما أحل الله له على نفسه، وكل ما هنالك أن الرجل إذا قال لامرأته أو جاريته: أنت حرام عليَّ فإن عليه الكفّارة، ويحل له مجامعتها بعد ذلك. وهكذا جعل الله تعالى من السيدة مارية سببًا أيضا في رفع الحرج عن كثير من الزوجات اللاتي يتلفظ أزواجهن بمثل هذه الكلمة، فيظنون أن العلاقة الزوجية قد انتهت بذلك، فأعلم الله الجميع أن هذه الكلمة هي مجرد يمين يكفّرها الرجل، وعليه كفارة الظهار المغلّظة وهي تحرير رقبة - عتق عبد أو جارية - إن نوى بها الظهار طبقا للراجح من آراء العلماء التي بلغت 18 رأيا أوردها الإمام القرطبي رضي الله عنه في تفسيره للآية الأولى من سورة التحريم. وروى الإمام الدارقطني في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا جاء إليه فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حرامًا، فقال له ابن عباس: كذبت ليست عليك بحرام، وتلا الآية الأولى من سورة التحريم، ثم قال للرجل: عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة.

وقال جماعة من المفسرين أنه لما نزلت هذه الآية كَفَّرَ النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه بعتق رقبة، وعاد إلى معاشرة السيدة مارية عليها السلام، أورده زيد بن أسلم وغيره طبقا لرواية القرطبي في تفسيره. وهكذا تحرّرت بسبب السيدة مارية أعداد أخرى هائلة من العبيد على سبيل الكفارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت