والعاقل المعصوم من الهوى يعلم علم اليقين وحق اليقين أن التقدم والتخلف له عوامله وأسبابه واقحام الستر والاحتشام والخلق والالتزام عوامل من عوامل التخلف إما أن يكون خدعة بان عراها وإما أن يكون انخداعا ساذجا ممن في قلبه مرض أو في فكره ضحالة.
ومن حكمة الله ولطفه أن الممسكين بأبواق السفور ليسوا قدوة كريمة في الدين والأخلاق وليسوا أسوة في الترفع عن دروب الفتن ومواقع الريب.
هذا جانب من القضية وجانب آخر مناظر ذلكم هو الخطل العظيم في الرأي، والفساد العريض في التصور حين يزعم زاعم أو يظن ظان أن المرأة حين تقر في بيتها وتلتزم قعر حجرتها تكون قعيدة لا عمل لها ويبقى عندهم نصف المجتمع معطلًا.
ما هذا إلا جهل مركب وسوء فهم غليظ، سوء فهم لمعنى الأسرة وجهل بطبيعة المجتمع الإنساني والتركيب البشري وتوزيع المسؤوليات.
ويكفي في المسألة وضوحًا وجلاءً أن يثور هذا التساؤل: من سيقوم بهذه المهمة إذا اشتغلت الأم عنها أو تشاغلت؟ هل سوف يهمل الأطفال؟ أو أنه سيقوم بذلك حاضنون من الرجال أو حاضنات من النساء؟ وهل هؤلاء الحاضنون والحاضنات لا يمثلون نسبة في المجتمع؟ وهل يقوم هؤلاء بما تقوم به الأم الرؤوم الحانية؟ وربِّك إن التقليل من شأن هذه المهمة إما جهل وقصور في التصور والإدراك أو أنه خيانة للأمة في أعز ما لديها وهم أبناؤها وبناتها.
ولئن كان الرجل هو الكادح في الأسواق والمسئول عن الإنفاق فإن المرأة هي المربي الحاني والظل الوارف للحياة كلما اشتد لفحها وقسا هجيرها.
ولئن غلب في الرجل البأس والقوة وجزالة الفكر وسلامة التقدير والتدبير فإن المرأة تذهب برقة الطبع ولطافة الحس وتوقد العاطفة وصبر المعاناة.
يا ترى من يقوم مقام الأم في ملاطفة وليدها ومداعبة صغيرها ورعايته في مدراج الطفولة تناغيه بألفاظها وتناجيه بلحاظها وتناديه بحركاتها.
تلكم هي القضية وهذه مباحث الرسالة التي بين أيديكم.