فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 14

فحديث أم عطية- إذن- بكل طرقه لا خير فيه ولا حجة تستفاد. منه. ولو فرضنا صحته جدلًا، فإن التوجيه الوارد فيه لا يتضمن أمرًا بختان البنات، وإنما يتضمن تحديد كيفية هذا الختان إن وقع، وأنها (إشمام) وصفه العلماء بأنه كإشمام الطيب، يعنى أخذ جزء يسير لا يكاد يحس من الجزء الظاهر من موضع الختان وهو الجلدة التي تسمى"القلفة"، وهو كما قال الإمام الماوردي:"... قكل هذه الجلدة المستعملية دون استئصالها"، وهو كما قال الإمام النووي:"قطع أدنى جزء مها". فالمسالة مسألة طبية دقيقة تحتاج إلى جراح متخصص يستطيع تحديد هذا"الجزء المستعلي"الذي هو"أدنى جزء منها"، ولا يمكن أن تتم لو صح جوازها- على أيدي الأطباء العاديين أن فضلًا عن غير المتخصصين في الجراحة من أمثال القابلات والدايات وحلاقي الصحة ... إلخ، كما هو الواقع في بلادنا وغيرها من البلاد التي تجرى فيها هذه العملية الشنيعة للفتيات.

والحديث الثاني الذي يوازي في الشهرة حديث أم عطية هو ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الختان سنة للرجال مكرمة للنساء". وقد نص الحافظ العراقي في تعليقه على إحياء علوم الدين على ضعفه أيضًا. ولذلك- ولغيره- قال العلامة الشيخ سيد سابق في فقه السنة:"أحاديث الأمر بختان المرأة ضعيفة لم يصح منها شيء" [1/ 33] .

وقد نص الحافظ ابن حجر في كتابه: تلخيص الحبير في تخريم ة أحاديث الرافعي الكبير، على ضعف هذا الحديث، ونقل قول الإمام البيهقي فيه. إنه، ضعيف منقطع.

وقول ابن عبد البر في [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد] إنه يدور على رواية راوٍ لا يحتج به [عون المعبود في شرح سنن أبي داوود لشمس الحق العظيم آبادي، 14/ 124] .

وكلام الحافظ أبي عمر ابن عبد البر في كتابه المذكور نصه:"واحتج من جعل الختان سنة بحديث أبي المليح هذا، وهو يدور على حجاج بن أرطاة، و ليس ممن يحتج بما انفرد به، والذي أجمع المسلمون عليه: الختان في الرجال ..." [تمهيد لما في الموطأ المعاني والأسانيد، 21/ 59] .

وعلى ذلك فليس في هذا النص حجة، لأنة نص ضعيف، مداره على راو لايحتج بروايته، فكيف يؤخذ منه حكم شرعي بأن أمرًا معينًا من السنة أو من المكرمات وأقل أحوالها أن تكون مستحبة، والاستحباب حكم شرعي لا يثبت، إلا بدليل صحيح.

ولا يرد على ذلك بأن لهذا الحديث شاهدًا أو شواهد من حديث أم عطية السابق

ذكره، فإن جميع الشواهد التي أوردها بعض من ذهب إلى صحته، معلولة بعلل قادحة

فيها، مانعة من الاحتجاج بها.

وعلى الفرض الجدلي أن الحديث صحيح- وهو ليس كذلك- فإنه ليس فيه التسوية بين ختان الذكور وختان الإناث في الحكم. بل فيه التصريح بأن ختان الإناث ليس بسنة، وإنما هو في مرتبة دونها. وكأن الإسلام حين جاء وبعض العرب يختنون الإناث أراد تهذيب هذه العادة بوصف الكيفية البالغة منتهى الدقة، الرقيقة غاية الرقة، بلفظ" (أشمى ولا تنهكى) الذي في الرواية الضعيفة الأولى، وأراد تبيين أنه ليس من أحكام الدين ولكنه من أعراف الناس بذكر أنه (سنة للرجال ... ) - وهي [أي السنة] ، هنا بمعنى العادة لا بالمعنى الأصولي للكلمة- في الرواية الضعيفة الثانية."

ولا تحتمل الروايتان على الفرض الجدلي بصحتهما تأويلًا سائغًا فوق هذا. ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم التسوية بين الرجال والنساء لقال:"إن الختان سنة الرجال والنساء"، أو لقال"الختان سنة"وسكت؟ فإنه عندئذ يكون تشريعًا عامًا ما لم يقم دليل على خصوصيته ببعض دون بعض. أما وقد فرق بينهما في اللفظ- لو صحت الرواية- فإن الحكم يكون مختلفًا، وكونه سنة- بالمعنى الأعم لهذه الكلمة ــ يكون في حق الرجال فحسب. وهذا هو ما فهمه الإمام ابن عبد البر القرطبى حين. عرض بالذين قالوا إنه"سنة"لاعتمادهم تلك الرواية الضعيفة وبين أن الإجماع منعقد على ختان الرجال.

ولمثل هذا الفهم قال الإمام ابن المنذر"ليس في الختان خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع" [نقله عنه: شمس الحق العظيم آبادي في شرحه لسنن أبي داوود، 14/ 126] .

وقال الإمام الشوكاني:"ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج به فهو لا حجة فيه على المطلوب" [نيل الأوطار،1/ 139] .

في بعض ما نشير مؤخرًا في مصر حول هذا الموضوع، في ذكر امرأة سموها (أم حبيبة) ، وذكر حديث لها في هذا الشأن مع النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا الحديث لا يوجد في كتب السنة وليس هناك ذكر فيها لامرأة بهذا الاسم كانت تقوم بهذا العمل. فكلامهم هذا لا حجة فيه، بل لا أصل له ..

وقد احتجوا بحديث روي عن عبد الله بن عمر، فيه خطاب لنساء الأنصار مرهن بالختان. وهو حديث ضعيف كما في المصدر الذي نقلوه منه نفسه [نيل الأوطار للشوكاني، ج1، ص 139 حيث يقول: في إسناد أبي نعيم- أحد مخرجيه- مندل بن علي وهو ضعيف وفي إسناد ابن عدي خالد بن عمر، القرشى وهو أضعف من مندل!] . فلا حجة لأحد في هذا الأمر المزعوم كذلك.

"وفي السنة الصحيح عن عائشة رضى الله عنها- مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفًا على عائشة- حديث يروى بألفاظ متقاربة تفيد أنه:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت