فهرس الكتاب
"إذ التقى الختانان فقد وجب الغسل"روى هذا الحديث مالك في الموطأ، ومسلم في صحيحه، والترمذي وابن ماجة في سننهما، وغيرهم من أصحاب مدونات الحديث النبوي.
وموضع الشاهد هنا قوله صلى الله عليه وسلم:"الختانان"إذ فيه تصريح بموضع ختان الرجل والمرأة، مما قد يراه بعضا الناس حجة على مشروعية ختان النساء.
ولا حجة في هذا الحديث الصحيح على ذلك. لأن اللفظ هنا جاء من باب تسمية الشيئين أو الشخصين أو الأمرين باسم الأشهر منهما، أو باسم أحدهما على سبيل التغليب. ومن ذلك كلمات كثيرة في صحيح اللغة العربية منها العمران (أبو بكر عمر) ، والقمران (الشمس والقمر) والنيران (هما أيضًا، وليس في القمر نور بل انعكاس نور الشمس عليه) والعشاءان (المغرب والعشاء) والظهران (الظهر، العصر) ، والعرب تغلب الأقوى والأقدر في التثنية عادة ولذلك، قالوا للوالدين: (الأبوان) وهما أب وأم. وقد يغلبون الأخف نطقًا في العمرين لأبي بكر وعمر).
أو الأعظم شأنًا كما في قوله تعالى:) وما يستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج (فالأول النهر والثاني البحر الحقيقي، وقد يغلبون الأنثى في هذه التثنية ومن ذلك قولهم:(المروتان) يريدون جبلي الصفا والمروة في مكة المكرمة. وكل ذلك مشهور معروف عند أهل العلم بلسان العرب [من المراجع المشهورة بين أيدي الطلاب في هذا المعنى: النحو الوافي لعباس حسن، 1/ 118 - 119] .
وهكذا يتبين أن السنة الصحيحة لا حجة فيها على مشروعية ختان الأنثى. وأن ما يحتج به من أحاديث الختان للإناث كلها ضعيفة لا يستفاد منها حكم شرعي. وأن الأمر لا يعدو أن يكون عادة من العادات، ترك الإسلام للزمن ولتقدم العلم الطبي أمر تهذيبيًا أو إبطالها.
وبقي أن نذكر الداعين إلى ختان الإناث، والظانين أنه من الشرع، أن هذا الختان الذي نتحدث عنه ليس معنى مجردًا نظريًا يجوز أن يتجادل فيه الناس حول الصحة والفساد العقليين، وإنما هو عادة سائدة تدل الإحصاءات المصرية المنشورة على أن 95% من الإناث المصريات تجرى لهن عملية الختان [حقائق علمية حول ختان الإناث، الجمعية المصرية للوقاية من الممارسات الضارة بصحة المرأة والطفل، ص 11، ط 1993] . وهى تجرى بإحدى صور ثلاث كلها تخالف ما يدعو المؤيدون لختان الإناث إلى اتباعه فيها.
وبجميع الصور التى يجرى بها الختان للإناث في مصر فإنه يقع تحت مسمى"النهك"الذي ورد في نص الحديث الضعيف، أي إنه لا فائدة من الاحتجاج بما يحتجون به من هذا الحديث لأن العمل لا يجري على وفقه، بل يجري على خلافه.
والختان الذي يجري في مصر، بصوره الثلاث، عدوان على الجسم يقع تحت طائلة التجريم المقرر في قانون العقوبات [ختان الأنثى في ضوء قواعد المسؤولية الجنائية والمدنية في القانون المصري، للمستشار صلاح عويس، نائب رئيس محكمة النقض] .
والمسؤولية الجنائية والمدنية عن هذا الفصل يستوي فيها الأطباء وغير الأطباء لأن الجهاز التناسلي للأنثى في شكله الطبيعي الذي خلقه الله تعالى عليه ليس مرضًا، ولا هو سبب لمرض، ولا يسبب ألمًا من إي نوع يستدعي تدخلًا جراحيًا، ومن هنا فإن المساس الجراحي بهذا الجهاز الفطري الحساس، على أية صورة كان الختان عليها، لا يعد- في صحيح القانون- علاجًا لمرض أو كشفًا عن داء أو تخفيفًا لألم قائم أو منعًا لألم متوقع؛ مما تباح الجراحة بسببه. فيكون الإجراء الجراحي المذكور غير مباح وواقعًا تحت طائلة التجريم [المصدر السابق، ص 9] .
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تغيير خلق الله، وصح عنه لعن"المغيرات خلق الله"، والقرآن الكريم جعل من المعاصي قطع بعض الأعضاء ولو من الحيوان، بل هو مما توعد الشيطان أن يضل به بنى آدم في أنعامهم وقرنه بتغيير خلق الله، فقال تعالى عن الشيطان:) لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضًا. ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليًا من دون الله فقد خسر خسرانًا مبينًا ( [النساء: 118 - 119، والتبتيك: التقطيع] .
والختان بصوره التى يجرى بها في مصر، وفي أجزاء أخرى من العالم الإسلامي، فيه من تغيير خلق الله، ومن قطع بعض أعضاء الإنسان المعصومة ما لا يخفى. وإذا كان هذا في الحيوان من إضلال الشيطان فكيف يكون في حق الإنسان؟
ومن المعلوم للكافة أن هذا الموضع الذي يجرى فيه الختان هو أحد المواضع الشديدة الحساسية للاستثارة الجنسية، وأنه يتوقف على كيفية ملامسته إرواء المرأة من متعة التواصل الواجب مع الزوج أو حرمانها منها، وعلى اكتمال الشعور بهذا الإرواء يتوقف إحساس المرأة بالإشباع العاطفي، وهو يكتمل باكتماله وينقص بقدر نقصانه. وكل مساس جراحي بهذا الجزء من الجسم ينتقص- بلا خلاف- من شعور المرأة بهذين الأمرين. وهذا عدوان صريح على حقها المشروع في المتعة بالصلة الحميمة بينها وبين زوجها وفي السلام النفسي المترتب على استيفائها لهذا الحق. وقد خلق الله أعضاء كل إنسان على صورة خاصة به غير متكررة بتفصيلاتها في غيره، وهو أعلم بما خلق ومن خلق، ولم يكن صنعه في أحد من خلقه عبثًا أو غفلة حتى تأتي الخافضة برأي هؤلاء الداعين إلى ختان الإناث فتصححه. إنما جُعلت أعضاء كل إنسان لتؤدي وظائفها له على اكمل نحو وأمثله، وحرمانه من ثمرات بعض هذه الوظائف عدوان عليه بلا شك.
والذين يدعون إلى استمرار ختان الأنثى يتجاهلون هذه الحقيقة ويؤذون النساء بذلك أشد الإيذاء. وهو إيذاء غير مشروع، والضرر المترتب عليه لا يمكن جبره، والألم النفسي الواقع بالمرأة بسببه لا يستطيع أحد تعويضها عنه.