فهرس الكتاب

‹
الصفحة 14 من 14

وإذا كان الختان ليس مطلوبًا للأنثى، ولا يقوم دليل واحد من أدلة الشرع على وجوبه ولا على كونه سنة، فبقى أنه ضرر محض لا نفع فيه. وليس كما يزعم الداعون إليه أنه"يهذب كثيرًا من إثارة الجنس، لا سيما في سن المراهقة ...."إلى أن قالوا"وهذا أمر قد يصوره لنا، ويحذر من آثاره ما صرنا إ إيه في عصرنا مدى تداخل وتزاحم بل، وتلاحم بين الرجال والنساء في مجالات الملاصقة التي لا تخفى على أحد فلو لم تختن الفتيات ... لتعرضن لمثيرات عديدة تؤدي بهن مع موجبات أخرى تزخر بها حياة العصر وانكماش الضوابط فيه إلى الانحراف والفساد"!!

أقول إن الأمر ليس كما ليزعمون، لأن موضع الختان لا تتحقق الإثارة الجنسية فيه إلا باللمس الخاص المباشر، الذي لا يقع قطعًا في حالات التداخل والتزاحم ومجالات الملاصقة (التى أظهرها وسائل المواصلات العامة) التى يتحدثون عنها. وهذه المجالات يجرى فها تلامس غير جائز بين الرجال والنساء في أجزاء شتى من الجسم البشري،. فهل تعالج هذه الأجزاء بقطع هذه الأجزاء من أجسام الناس جميعًا؟؟

ومعلوم أن كل عفيف وكل صائبةٍ نفسها يكونان في غاية الألم والأسى إذا وقع شيء من ذلك، وهو يقع عادة دون قصد أو تعمد. ومع هذه الحالة النفسية- التي يكون فيها الأسوياء من الناس، نساء ورجالا، تعساء آسفين مستغرقين حياءً وخجلًا- لا تقع استثارة جنسية أصلًا، لأن مراكز الإحساس في المخ تكون معنية بشأن آخر، غير هذا الشأن الذي لا يكون إلا في طمأنينة تامة وراحة كاملة واستعداد راض، اللهم إلا عند المرضى والشواذ، وهم لا حكم لهم.

إن العفة والصون المطلوبين للنساء والرجال على سواء، هما العاصم مما لا يحمد من نتائج اللقاء المتقارب بين النساء والرجال. والتربية على الخلق القويم هي الحائل الحقيقي بين هذا اللقاء وبين إحداث آثار ممنوعة شرعًا مستهجنة خلقًا. أما ما يدعون إليه من ختان الإناث فلا فائدة فيه، بل هو ضار ضررًا محضًا كما بينا.

ومن واجب الدولة في مصر، وفي غيرها من البلاد الإسلامية التي تشيع فيها هذه العادة السيئة، إصدار التشريع المانع لممارستها، لا سيما على الوجه الذي تمارس به الآن، ولا يجوز أن يمنع من ذلك جمود بعض الجامدين على ما ورثوه من آراء السابقين. فقد نص الفقهاء على أن في قطع الشفرين (وهما اللحمان المحيطان بموضع الجماع) الدية الكاملة. والدية عقوبة لمن يدفعها وتعويض لمن يستحقها. وعللوا ذلك بأنه بهذين الشفرين"يقع الالتذاذ بالجماع". فكل فوات لهذا الالتذاذ أو بعضٍ منه يوجب هذه العقوبة التعويضية، ومنع سببه جائز قطعًا، بل هو أولى من انتظار وقوعه ثم محاولة تعليله أو تحليله [أنظر المحلى لابن حزم الظاهري،10/ 458، حيث نقل آراء الفقهاء في ذلك وخالفهم إلى إيجاب القصاص على المتعمد، ونفى الدية عن المخطئ؛ والمغني لابن قدامة، 12/ 158 و 11/ 546 حيث نقل رأيين أحدهما يجيز القصاص في قطع الشفرين، والثاني يكتفي بالدية لاعتبارات فنية تتصل بإجراء القصاص] .

وهكذا يتبين حكم الشرع في ختان الأنثى: أنه لا واجب ولا سنة، ولم يدل على واحد منهما دليل، وليس مكرمة أيضًا لضعف جميع الأحاديث الواردة فيه. بل هو عادة، وهي عادة ليست عامة في كل بلاد الإسلام بل هي خاصة ببعضها دون بعض. وهي عادة ضارة ضررًا محضًا لا يجوز إيقاعه بإنسان دون سبب مشروع، وهو ضرر لا يعوض لا سيما النفسي منه،. وقد أوجب الفقهاء إذا فاتت بسببه- أو بسبب الحيف فيه على ما يجرى الآن في بلادنا في جميع حالات الختان- متعة المرأة بلقاء الرجل، أوجب الفقهاء فيه القصاص أو الدية.

فليتق الله أولئك الذين يسوِّغون ما لا يسوغ، وينسبون إلى الشرع ما ليس منه. وليذكروا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالنساء:"استوصوا والنساء خيرًا". وليضعوا أنفسهم موضع هؤلاء المسكينات اللاتي خرفن بهذا الختان، الذي لم يرد به شرع، متعة لو حرمها هؤلاء الرجال ما عوضهم عنها شيء قط!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت