فهرس الكتاب
ورغم تعميم اللغة التركية في سائر البلاد غير أن تأثيرها لدى العرب كان ضئيلًا، فلم تتأثر اللغة العربية بمفردات ومصطلحات ونماذج اللغة التركية، تأثيرًا أمكن الاعتداد به إلا في باب الرسائل، لأن المثقفين والكتاب العرب استمروا على اتصالاتهم القديمة حسب النماذج العربية الأصلية، ولدى انحطاط الحكم التركي وتوسع الثقافة الأوروبية باتجاه الشرق اتجه العرب إلى اللغة الفرنسية والإنكليزية حينذاك، وخاصة اللغة الفرنسية التي وجهها إليهم بقوة محمد علي رئيس مصر الذي استطاع النهوض بحركة الترجمة بمصر وجعلها محور اهتمامه مع جملة مساعيه الاصلاحية التي قام بها أثناء حكمه [1] .
إن كلمات اللغة تحيا بالاستعمال وتموت بالإهمال، ولذلك ضعفت اللغة العربية نتيجة (وأيضًا ضعف حركة التأليف والنشر التي كادت تقتصر على بعض الشروح والتعاليق على المتون) ، وأيضًا توالت على اللغة العديد من المحن خلال مدة طويلة، من حملات التتريك إلى غياب التعليم حيث تفشى الجهل والأمية في صفوف الأمة العربية، إلى أن ازداد التأثير العلمي الغربي بازدياد حركة الاتصال مع الغرب فبدأت حركة الترجمة ونشطت فيما بعد على التوالي بمراجعة معجمات اللغة كالقاموس المحيط للفيروز آبادي، ولسان العرب لابن منظور، ومترجمي اللغات في بدء عصر النهضة. وأيضًا بالعودة إلى الكتب القديمة كزيج البتاني، ومفردات ابن بيطار، وغيرهم.
أما ما حمل المترجمون على هذه الترجمة ما وجدوه من ضعف اللغة، ولمسوا الحاجة إلى توليد الكثير من المفردات والمصطلحات لتضمينها المعاني الجديدة، التي لم تألفها العربية وهذه الأمور ومثلكها دفعت الكثير من الكتاب والعلماء إلى الاهتمام باللغة والتبحر في أصولها ومفرداتها، فتسابقوا إلى الترجمة والتأليف والإبداع، وتباهوا بسعة الحفظ والاطلاع والنقد والشرح مما ظهر نتاجهم في الكثير من آثارها.
(1) ر. تاريخ الترجمة جمال الدين الشبال، ص ص 215-224.