الصفحة 163 من 429

تُوجِبُ تَقْدِيمَهُ ; فَإِنَّهُمَا يَتَمَانَعَانِ فَلَا يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا , وَهَذَا مُشْتَقٌّ مِنْ دَلِيلِ التَّمَانُعِ عَلَى التَّوْحِيدِ , وَهُوَ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ فَاعِلَانِ مُسْتَقِلَّانِ بِالْفِعْلِ ; فَإِنَّ اسْتِقْلَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَنْفِي اسْتِقْلَالَ الْآخَرِ , فَاسْتِقْلَالهمَا يَمْنَعُ اسْتِقْلَالَهُمَا , وَوَازَنَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ وُقُوعَهُمَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُمَا.

[مَسَائِلُ عَدِيدَةٍ مِنْ الدَّوْرِ الْحُكْمِيِّ] قَالُوا: وَغَايَةُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ اسْتِلْزَامُ هَذَا التَّعْلِيقِ لِدَوْرٍ حُكْمِيٍّ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْمُعَلَّقِ وَالْمُنَجَّزِ , وَنَحْنُ نُرِيكُمْ مِنْ مَسَائِلِ الدَّوْرِ الَّتِي يُفْضِي وُقُوعُهَا إلَى عَدَمِ وُقُوعِهَا كَثِيرًا , مِنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ , وَمِنْهَا مَا لَوْ وُجِدَ مِنْ أَحَدِهِمَا رِيحٌ وَشَكَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَلْ هِيَ مِنْهُ أَوْ مِنْ صَاحِبِهِ , لَمْ يَجُزْ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ; لِأَنَّ اقْتِدَاءَهُ بِهِ يُبْطِلُ اقْتِدَاءَهُ , وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُمَا إنَاءَانِ أَحَدُهُمَا نَجِسٌ فَأَدَّى اجْتِهَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى إنَاءٍ لَمْ تَجُزْ الْقُدْوَةُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهَا تُفْضِي إلَى إبْطَالِ الْقُدْوَةِ , وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَهَدَا فِي الثَّوْبَيْنِ وَالْمَكَانَيْنِ , وَمِنْهَا لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ حُرَّةً وَضَمِنَ السَّيِّدُ مَهْرَهَا ثُمَّ بَاعَهُ لِزَوْجِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ صِحَّتَهُ تُؤَدِّي إلَى فَسَادِهِ , إذْ لَوْ صَحَّ لَبَطَلَ النِّكَاحُ ; لِأَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا بَطَلَ نِكَاحُهَا , وَإِذَا بَطَلَ سَقَطَ مَهْرُهَا ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا , وَإِذَا سَقَطَ مَهْرُهَا وَهُوَ الثَّمَنُ بَطَلَ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ أَلْبَتَّةَ , بَلْ إمَّا أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَلَا يَقَعَ الْعِتْقُ إذْ لَوْ وَقَعَ الْعِتْقُ لَبَطَلَ الْبَيْعُ , وَإِذَا بَطَلَ بَطَلَ الْعِتْقُ ; فَوُقُوعُهُ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَوَقَعَ الْعِتْقُ قَبْلَهُ , وَوُقُوعُ الْعِتْقِ قَبْلَهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ , فَصِحَّةُ الْبَيْعِ تَمْنَعُ صِحَّتَهُ , وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ:"إذَا رَهَنْتُك فَأَنْتِ حُرٌّ قَبْلَهُ بِسَاعَةٍ"وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمْ وَقَدْ أَفْلَسَ:"إنْ حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيَّ فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ قَبْلَ الْحَجْرِ بِيَوْمٍ"لَمْ يَصِحَّ الْحَجْرُ ; لِأَنَّ صِحَّتَهُ تَمْنَعُ صِحَّتَهُ , وَمِثَالُهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ:"مَتَى صَالَحْتُ عَلَيْكَ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ الصُّلْحِ"وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ:"إنْ صَالَحْت فُلَانًا وَأَنْتِ امْرَأَتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ بِسَاعَةٍ"لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ ; لِأَنَّ صِحَّتَهُ تَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ:"مَتَى ضَمِنْتُ عَنْكَ صَدَاقَ امْرَأَتِكَ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ إنْ كُنْتَ فِي حَالِ الضَّمَانِ مَمْلُوكِي"ثُمَّ ضَمِنَ عَنْهُ الصَّدَاقَ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَعَتَقَ قَبْلَهُ , وَإِذَا عَتَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُصَادِفْ الضَّمَانُ شَرْطَهُ , وَهُوَ كَوْنُهُ مَمْلُوكَهُ وَقْتَ الضَّمَانِ , وَكَذَلِكَ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ ; لِأَنَّ وُقُوعَهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَصِحَّ الضَّمَانُ عَنْهُ , وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ , فَكُلٌّ مِنْ الضَّمَانِ وَالْعِتْقِ تُؤَدِّي صِحَّتُهُ إلَى بُطْلَانِهِ ; فَلَا يَصِحُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا , وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ:"إنْ شَارَكَنِي فِي هَذَا الْعَبْدِ شَرِيكٌ فَهُوَ حُرٌّ قَبْلَهُ بِسَاعَةٍ"لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَوْ صَحَّتْ لَعَتَقَ الْعَبْدُ وَبَطَلَتْ الشَّرِكَةُ , فَصِحَّتُهَا تُفْضِي إلَى بُطْلَانِهَا , وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ:"إنْ وَكَّلْتُ إنْسَانًا بِبَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ أَوْ رَهْنِهِ أَوْ هِبَتِهِ وَكَالَةً صَحِيحَةً فَهُوَ قَبْلَهَا بِسَاعَةٍ حُرٌّ"لَمْ تَصِحَّ الْوَكَالَةُ ; لِأَنَّ صِحَّتَهَا تُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِهَا. وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ:"إنْ وَكَّلْتُ وَكِيلًا فِي طَلَاقِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ ثَلَاثًا"لَمْ يَصِحَّ تَوْكِيلُهُ فِي طَلَاقِهَا ; إذْ لَوْ صَحَّتْ الْوَكَالَةُ لَطَلُقَتْ فِي حَالِ الْوَكَالَةِ أَوْ قَبْلَهَا , فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ , فَصِحَّتُهَا تُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِهَا , وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَفَ الْمَيِّتُ ابْنًا , فَأَقَرَّ بِابْنٍ آخَرَ لِلْمَيِّتِ , فَقَالَ الْمُقِرُّ بِهِ:"أَنَا ابْنُهُ , وَأَمَّا أَنْتَ فَلَسْتَ بِابْنِهِ"لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُ الْمُقِرِّ بِهِ ; لِأَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ يُبْطِلُ قَوْلَهُ , وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ تَرَكَ أَخًا لِأَبٍ وَأُمٍّ فَأَقَرَّ الْأَخُ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَمْ يَرِثْ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَخَرَجَ الْمُقِرُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت