الصفحة 164 من 429

يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِوَارِثٍ آخَرَ , فَتَوْرِيثُ الِابْنِ يُفْضِي إلَى عَدَمِ تَوْرِيثِهِ , وَنَازَعَهُ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ , وَقَالُوا: إذَا ثَبَتَ نَسَبُهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ النَّسَبِ , وَمِنْهَا الْمِيرَاثُ , وَلَا يُفْضِي تَوْرِيثُهُ إلَى عَدَمِ تَوْرِيثِهِ ; لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمِيرَاثُ وَالْأَخُ كَانَ وَارِثًا فِي الظَّاهِرِ , فَحِينَ أَقَرَّ كَانَ هُوَ كُلُّ الْوَرَثَةِ , وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ ; فَلَمْ يَكُنْ تَوْرِيثُ الِابْنِ مُبْطِلًا لِكَوْنِ الْمُقِرِّ وَارِثًا حِينَ الْإِقْرَارِ , وَإِنْ بَطَلَ كَوْنُهُ وَارِثًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَثُبُوتُ النَّسَبِ , وَأَيْضًا فَالْمِيرَاثُ تَابِعٌ لِثُبُوتِ النَّسَبِ , وَالتَّابِعُ أَضْعَفُ مِنْ الْمَتْبُوعِ , فَإِذَا ثَبَتَ الْمَتْبُوعُ الْأَقْوَى فَالتَّابِعُ أَوْلَى. أَلَا تَرَى أَنَّ النِّسَاءَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ فِي الْوِلَادَةِ ثُمَّ فِي النَّسَبِ , وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفْضِي ثُبُوتُهَا إلَى إبْطَالِهَا لَوْ أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ فِي مَرَضِهَا عَبْدًا فَتَزَوَّجَهَا وَقِيمَتُهُ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ صَحَّ النِّكَاحُ وَلَا مِيرَاثَ لَهُ ; إذْ لَوْ وَرِثَهَا لَبَطَلَ تَبَرُّعُهَا لَهُ بِالْعِتْقِ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ تَبَرُّعًا لِوَارِثٍ , وَإِذَا بَطَلَ الْعِتْقُ بَطَلَ النِّكَاحُ , وَإِذَا بَطَلَ بَطَلَ الْمِيرَاثُ , وَكَانَ تَوْرِيثُهُ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ , وَهَذَا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ , وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فَلَا يَبْطُلُ مِيرَاثُهُ وَلَا عِتْقُهُ وَلَا نِكَاحُهُ ; لِأَنَّهُ حِينَ الْعِتْقِ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا , فَالتَّبَرُّعُ نَزَلَ فِي غَيْرِ وَارِثٍ , وَالْعِتْقُ الْمُنَجَّزُ يَتَنَجَّزُ مِنْ حِينِهِ , ثُمَّ صَارَ وَارِثًا بَعْدَ ثُبُوتِ عِتْقِهِ , وَذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ شَيْئًا. وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِابْنِهِ , فَمَاتَ قَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ , وَخَلَفَ إخْوَةً لِأَبِيهِ , فَقَبِلُوا الْوَصِيَّةَ , عَتَقَ عَلَى الْمُوصَى لَهُ وَلَمْ يَصِحَّ مِيرَاثُهُ مِنْهُ ; إذْ لَوْ وَرِثَ لَأَسْقَطَ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ , وَإِذَا سَقَطَ مِيرَاثُهُمْ بَطَلَ قَبُولُهُمْ لِلْوَصِيَّةِ , فَيَبْطُلُ عِتْقُهُ , لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْقَبُولِ , وَكَانَ تَوْرِيثُهُ مُفْضِيًا إلَى عَدَمِ تَوْرِيثِهِ. وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَرِثُ , وَلَا دَوْرَ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ حَالَ الْقَبُولِ وَهُمْ وَرَثَةٌ , ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلَى الْعِتْقِ تَابِعَهُ وَهُوَ الْمِيرَاثُ , وَذَلِكَ بَعْدَ الْقَبُولِ , فَلَمْ يَكُنْ الْمِيرَاثُ مَعَ الْقَبُولِ لِيَلْزَمَ الدَّوْرُ , وَإِنَّمَا تَرَتَّبَ عَلَى الْقَبُولِ الْعِتْقُ وَعَلَى الْعِتْقِ الْمِيرَاثُ ; فَهُوَ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ بِدَرَجَتَيْنِ وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفْضِي ثُبُوتُهَا إلَى بُطْلَانِهَا لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ امْرَأَةً وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقَهَا لَمْ يَصِحَّ ; إذْ لَوْ صَحَّ لَمَلَكَتْهُ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ. وَمِنْهَا لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ:"مَتَى أَكْرَهْتُكِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ حَالَ النِّكَاحِ أَوْ قَبْلَهُ"فَأَكْرَههَا عَلَى النِّكَاحِ لَمْ يَصِحَّ ; إذْ لَوْ صَحَّ النِّكَاحُ عَتَقَتْ , وَلَوْ عَتَقَتْ بَطَلَ إكْرَاهُهَا , فَيَبْطُلُ نِكَاحُهَا. وَمِنْهَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ:"مَتَى اسْتَقَرَّ مَهْرُكِ عَلَيَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا"ثُمَّ وَطِئَهَا لَمْ يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا بِالْوَطْءِ ; لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَقَرَّ لَبَطَلَ النِّكَاحُ قَبْلَهُ , وَلَوْ بَطَلَ النِّكَاحُ قَبْلَهُ لَكَانَ الْمُسْتَقِرُّ نِصْفَ الْمَهْرِ لَا جَمِيعَهُ ; فَاسْتِقْرَارُهُ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ اسْتِقْرَارِهِ , هَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ , وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُزَنِيّ فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ بِالْوَطْءِ , وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَى صِفَةٍ تَقْتَضِي حُكْمًا مُسْتَحِيلًا.

فَصْلٌ: وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُؤَدِّي ثُبُوتُهَا إلَى نَفْيِهَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ:"إنْ لَمْ أُطَلِّقَكِ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ"وَمَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا لَمْ تَطْلُقْ ; إذْ لَوْ طَلُقَتْ بِمُضِيِّ الْيَوْمِ لَكَانَ طَلَاقُهَا مُسْتَنِدًا إلَى وُجُودِ الصِّفَةِ وَهِيَ عَدَمُ طَلَاقِهَا الْيَوْمَ , وَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِالْيَوْمِ. وَمِنْهَا ; لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ قَالَ لَهَا:"إنْ مَاتَ مَوْلَاكِ وَوَرِثْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ"أَوْ قَالَ:"إنْ مَلَكْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ"ثُمَّ وَرِثَهَا أَوْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ إرْثٍ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ; إذْ لَوْ وَقَعَ لَمْ تَكُنْ الزَّوْجَةُ فِي حَالِ وُقُوعِهِ مِلْكًا لَهُ ; لِاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي مِلْكِهِ , فَكَانَ وُقُوعُهُ مُفْضِيًا إلَى عَدَمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت