الصفحة 185 من 429

مُخَالِفِينَ؟ وَإِذَا تَحَيَّلَ أَحَدُهُمْ عَلَى نَقْضِ غَرَضِ الْآمِرِ وَإِبْطَالِهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ , هَلْ كَانَ يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَيَحْمَدُهُ عَلَيْهِ أَوْ يَعْذِرُهُ؟ وَهَلْ يَعْذِرُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ يُعَامِلُهُ بِهَذِهِ الْحِيَلِ؟ فَكَيْفَ يُعَامِلُ هُوَ بِهَذَا مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ؟

فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِإِسْقَاطِ حَقِّ الْحَضَانَةِ] : وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا لَوْ أَرَادَ الْأَبُ إسْقَاطَ حَضَانَةِ الْأُمِّ أَنْ يُسَافِرَ إلَى غَيْرِ بَلَدِهَا , فَيَتْبَعُهُ الْوَلَدُ. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ مُنَاقِضَةٌ لِمَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ ; فَإِنَّهُ جَعَلَ الْأُمَّ أَحَقَّ بِالْوَلَدِ مِنْ الْأَبِ مَعَ قُرْبِ الدَّارِ وَإِمْكَانِ اللِّقَاءِ كُلَّ وَقْتٍ لَوْ قَضَى بِهِ لِلْأَبِ , وَقَضَى أَنْ لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا , وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَمَنَعَ أَنْ تُبَاعَ الْأُمُّ دُونَ وَلَدِهَا وَالْوَلَدُ دُونَهَا , وَإِنْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ , فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا التَّحَيُّلِ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا تَفْرِيقًا تَعِزُّ مَعَهُ رُؤْيَتُهُ وَلِقَاؤُهُ وَيَعِزُّ عَلَيْهَا الصَّبْرُ عَنْهُ وَفَقْدُهُ؟ وَهَذَا مِنْ أَمْحَلْ الْمُحَالِ , بَلْ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَحَقُّ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْأُمِّ: سَافَرَ الْأَبُ أَوْ أَقَامَ , وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْأُمِّ: {أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي} فَكَيْفَ يُقَالُ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ يُسَافِرْ الْأَبُ؟ وَأَيْنَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ فَتَاوَى أَصْحَابِهِ أَوْ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ؟ فَلَا نَصَّ وَلَا قِيَاسَ وَلَا مَصْلَحَةَ.

فَصْلٌ: (إبْطَالُ حِيلَةً لِجَعْلِ تَصَرُّفَاتِ الْمَرِيضِ نَافِذَةً) : وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْمُحَرَّمَةِ إذَا أَرَادَ حِرْمَانَ امْرَأَتِهِ [مِنْ] الْمِيرَاثِ , أَوْ كَانَتْ تَرِكَتُهُ كُلُّهَا عَبِيدًا وَإِمَاءً فَأَرَادَ جَعْلَ تَدْبِيرِهِمْ مِنْ رَاسِ الْمَالِ , أَنْ يَقُولَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى: إذَا مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَرَضِي بِسَاعَةٍ ثَلَاثًا , وَيَقُولُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ: إذَا مِتُّ فِي مَرَضِي هَذَا فَأَنْتُمْ عُتَقَاءُ قَبْلَهُ بِسَاعَةٍ , وَحِينَئِذٍ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ فِي الصِّحَّةِ. وَهَذِهِ حِيلَةٌ بَاطِلَةٌ ; فَإِنَّ التَّعْلِيقَ إنَّمَا وَقَعَ مِنْهُ فِي حَالِ مَرَضِ مَوْتِهِ , وَلَمْ يُقَارِنْهُ أَثَرُهُ , وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَوْ نَجَّزَ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ لَكَانَ الْعِتْقُ مِنْ الثُّلُثِ وَالطَّلَاقُ غَيْرُ مَانِعٍ لِلْمِيرَاثِ , مَعَ مُقَارَنَةِ أَثَرِهِ لَهُ , وَقُوَّةِ الْمُنَجَّزِ وَضَعْفِ الْمُعَلَّقِ , وَأَيْضًا فَالشَّرْطُ هُوَ مَوْتُهُ فِي مَرَضِهِ , وَالْجَزَاءُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ هُوَ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ , وَالْجَزَاءُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْبِقَ شَرْطَهُ ; إذْ فِي ذَلِكَ إخْرَاجُ الشَّرْطِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَحُكْمِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي الْحِيلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ.

فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِتَاخِيرِ رَاسِ مَالِ السَّلَمِ] : وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْمُحَرَّمَةِ إذَا كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا دِينَارٌ رَدِيءٌ وَمَعَ الْآخَرِ نِصْفُ دِينَارٍ جَيِّدٍ , فَأَرَادَ بَيْعَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ , قَالَ أَرْبَابُ الْحِيَلِ: الْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُ دِينَارًا بِدِينَارٍ فِي الذِّمَّةِ , ثُمَّ يَاخُذَ الْبَائِعُ الدِّينَارَ الَّذِي يُرِيدُ شِرَاءَهُ بِالنِّصْفِ , فَيُرِيدُ الْآخَرُ دِينَارًا عِوَضَهُ , فَيَدْفَعُ إلَيْهِ نِصْفَ الدِّينَارِ وَفَاءً , ثُمَّ يَسْتَقْرِضُهُ مِنْهُ , فَيَبْقَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ نِصْفُ دِينَارٍ , ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْهِ وَفَاءً عَنْ قَرْضِهِ , فَيَبْرَأُ مِنْهُ , وَيَفُوزُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا كَانَ مَعَ الْآخَرِ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْحِيلَةِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ بَعْضَ رَاسِ مَالِ السَّلَمِ دِينَارًا يُوَفِّيهِ إيَّاهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ , بِأَنْ يَكُونَ مَعَهُ نِصْفُ دِينَارٍ وَيُرِيدُ أَنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ دِينَارًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ , فَالْحِيلَةُ أَنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ دِينَارًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ , ثُمَّ يُوَفِّيهِ نِصْفَ الدِّينَارِ , ثُمَّ يَعُودُ فَيَسْتَقْرِضُهُ مِنْهُ , ثُمَّ يُوَفِّيهِ إيَّاهُ عَمَّا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ , فَيَتَفَرَّقَانِ وَقَدْ بَقِيَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ نِصْفُ دِينَارٍ. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ مِنْ أَقْبَحِ الْحِيَلِ ; فَإِنَّهُمَا لَا يَخْرُجَانِ بِهَا عَنْ بَيْعِ دِينَارٍ بِنِصْفِ دِينَارٍ , وَلَا عَنْ تَاخِيرِ رَاسِ مَالِ السَّلَمِ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ , وَلَكِنْ تَوَصَّلَا إلَى ذَلِكَ بِالْقَرْضِ الَّذِي جَعَلَا صُورَتَهُ مُبِيحَةً لِصَرِيحِ الرِّبَا , وَلِتَاخِيرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت