الصفحة 186 من 429

قَبْضِ رَاسِ مَالِ السَّلَمِ , وَهَذَا غَيْرُ الْقَرْضِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ , وَهُوَ قَرْضٌ لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ , وَإِنَّمَا اتَّخَذَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ تَلَاعُبًا بِحُدُودِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ , وَاِتِّخَاذًا لِآيَاتِهِ هُزُوًا , وَإِذَا كَانَ الْقَرْضُ الَّذِي يَجُرُّ النَّفْعَ رِبًا عِنْدَ صَاحِبِ الشَّرْعِ , فَكَيْفَ بِالْقَرْضِ الَّذِي يَجُرُّ صَرِيحَ الرِّبَا وَتَاخِيرُ قَبْضِ رَاسِ مَالِ السَّلَمِ؟.

فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِإِسْقَاطِ حَقِّ الشُّفْعَةِ] وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْمُحَرَّمَةِ التَّحَيُّلُ عَلَى إسْقَاطِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا لِلشَّرِيكِ عَلَى شَرِيكِهِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ , وَالتَّحَيُّلُ لِإِبْطَالِهَا مُنَاقِضٌ لِهَذَا الْغَرَضِ , وَإِبْطَالٌ لِهَذَا الْحُكْمِ بِطَرِيقِ التَّحَيُّلِ. وَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا مِنْ الْحِيَلِ. مِنْهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى مِقْدَارِ الثَّمَنِ , ثُمَّ عِنْدَ الْعَقْدِ يَصْبِرُهُ صُبْرَةً غَيْرَ مَوْزُونَةٍ , فَلَا يَعْرِفُ الشَّفِيعُ مَا يَدْفَعُ , فَإِذَا فَعَلَا ذَلِكَ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُشْتَرِيَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ الثَّمَنِ , فَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ , وَإِنْ حَلَفَ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بِقِيمَتِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَهَبَ الشِّقْصَ لِلْمُشْتَرِي , ثُمَّ يَهَبَهُ الْمُشْتَرِي مَا يُرْضِيهِ , وَهَذَا لَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ , وَهَذَا بَيْعٌ وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظَا بِهِ , فَلَهُ أَنْ يَاخُذَ الشِّقْصَ بِنَظِيرِ الْمَوْهُوبِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ الشِّقْصَ , وَيَضُمَّ إلَيْهِ سِكِّينًا أَوْ مَنْدِيلًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ , فَيَصِيرُ حِصَّةُ الشِّقْصِ مِنْ الثَّمَنِ مَجْهُولَةً. وَهَذَا لَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ , بَلْ يَاخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِيمَتِهِ كَمَا لَوْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَخْذَ الْآخَرِ , فَإِنَّهُ يَاخُذُ [هـ] بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إنْ انْقَسَمَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا بِالْأَجْزَاءِ , وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ. وَهَذَا الشِّقْصُ مُسْتَحَقٌّ شَرْعًا ; فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الشَّفِيعَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ , فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهُ بِالْحِيلَةِ وَالْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ الشِّقْصَ بِأَلْفِ دِينَارٍ , ثُمَّ يُصَارِفَهُ عَنْ كُلِّ دِينَارٍ بِدِرْهَمَيْنِ فَإِذَا أَرَادَ أَخْذَهُ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ لَا تُسْقِطُ الشُّفْعَةَ , وَإِذَا أَرَادَ أَخْذَهُ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَتَوَاطَأَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي ; فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ الْعَقْدُ , وَلَا عِبْرَةَ بِمَا أَظْهَرَاهُ مِنْ الْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ ; وَلِهَذَا لَوْ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِأَلْفِ دِينَارٍ , وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي تَوَاطَأَ عَلَيْهِ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ; فَاَلَّذِي يَرْجِعُ بِهِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ الَّذِي يَدْفَعُهُ الشَّفِيعُ عِنْدَ الْأَخْذِ. هَذَا مَحْضُ الْعَدْلِ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَلَا تَحْتَمِلُ الشَّرِيعَةُ سِوَاهُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ بَائِعُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فِي ذِمَّتِهِ , ثُمَّ يَبِيعُهُ الشِّقْصَ بِالْأَلْفِ. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ لَا تُبْطِلُ الشُّفْعَةَ , وَيَاخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِالثَّمَنِ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ إذَا اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ , وَهُوَ قِيمَةُ الْعَبْدِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ الشِّقْصَ بِأَلْفٍ وَهُوَ يُسَاوِي مِائَةً , ثُمَّ يُبْرِئُهُ الْبَائِعُ مِنْ تِسْعِ مِائَةٍ. وَهَذَا لَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ , وَيَاخُذُهُ الشَّفِيعُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ الْإِسْقَاطِ , وَهُوَ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ إذَا اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ جُزْءًا مِنْ الشِّقْصِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ , ثُمَّ يَهَبَ لَهُ بَقِيَّةَ الشِّقْصِ. وَهَذَا لَا يُسْقِطُهَا , وَيَاخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ كُلَّهُ بِالثَّمَنِ ; فَإِنَّ هَذِهِ الْهِبَةَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا , وَالْمَوْهُوبُ هُوَ الْمَبِيعُ بِعَيْنِهِ , وَلَا تُغَيَّرُ حَقَائِقُ الْعُقُودِ وَأَحْكَامُهَا الَّتِي شُرِعَتْ فِيهَا بِتَغَيُّرِ الْعِبَارَةِ. وَلَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يُغَيِّرَ حُكْمَ الْعَقْدِ بِتَغْيِيرِ عِبَارَتِهِ فَقَطْ مَعَ قِيَامِ حَقِيقَتِهِ , وَهَذَا لَوْ أَرَادَ مِنْ الْبَائِعِ أَنْ يَهَبَهُ جُزْءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ الشِّقْصِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمَا سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ أَلْبَتَّةَ , فَكَيْفَ يَهَبُهُ مَا يُسَاوِي مِائَةَ أَلْفٍ بِلَا عِوَضٍ؟ وَكَيْفَ يَشْتَرِي مِنْهُ. الْآخَرُ مِائَةَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا سَفَهٌ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت