الصفحة 187 من 429

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ , وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ الْحِيلَةِ فِي إبْطَالِ الشُّفْعَةِ , فَقَالَ: لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الْحِيَلِ فِي ذَلِكَ , وَلَا فِي إبْطَالِ حَقِّ مُسْلِمٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما فِي هَذِهِ الْحِيَلِ وَأَشْبَاهِهَا: مَنْ يَخْدَعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ , وَالْحِيلَةُ خَدِيعَةٌ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {لَا تَحِلُّ الْخَدِيعَةُ لِمُسْلِمٍ} وَاَللَّهُ تَعَالَى ذَمَّ الْمُخَادِعِينَ , وَالْمُتَحَيِّلُ مُخَادِعٌ ; لِأَنَّ الشُّفْعَةَ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ , فَلَوْ شُرِعَ التَّحَيُّلُ لِإِبْطَالِهَا لَكَانَ عَوْدًا عَلَى مَقْصُودِ الشَّرِيعَةِ بِالْإِبْطَالِ , وَلَلَحِقَ الضَّرَرُ الَّذِي قَصَدَ إبْطَالَهُ.

فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِتَفْوِيتِ حَقِّ الْقِسْمَةِ] وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ التَّحَيُّلُ عَلَى إبْطَالِ الْقِسْمَةِ فِي الْأَرْضِ الْقَابِلَةِ لَهَا , بِأَنْ يَقِفَ الشَّرِيكُ مِنْهَا سَهْمًا مِنْ مِائَةِ أَلْفِ سَهْمٍ مَثَلًا عَلَى مَنْ يُرِيدُ , فَيَصِيرُ الشَّرِيكُ شَرِيكًا فِي الْوَقْفِ , وَالْقِسْمَةُ بَيْعٌ ; فَتَبْطُلُ. وَهَذِهِ حِيلَةٌ فَاسِدَةٌ بَارِدَةٌ لَا تُبْطِلُ حَقَّ الشَّرِيكِ مِنْ الْقِسْمَةِ , وَتَجُوزُ الْقِسْمَةُ وَلَوْ وَقَفَ حِصَّتَهُ كُلَّهَا ; فَإِنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقٍّ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ مُعَاوَضَةً , وَهِيَ غَيْرُ الْبَيْعِ حَقِيقَةً وَاسْمًا وَحُكْمًا وَعُرْفًا , وَلَا يُسَمَّى الْقَاسِمُ بَائِعًا لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا وَلَا عُرْفًا , وَلَا يُقَالُ لِلشَّرِيكَيْنِ إذَا تَقَاسَمَا تَبَايَعَا , وَلَا يُقَالُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّهُ قَدْ بَاعَ مِلْكَهُ , وَلَا يَدْخُلُ الْمُتَقَاسِمَانِ تَحْتَ نَصِّ وَاحِدٍ مِنْ النُّصُوصِ الْمُتَنَاوِلَةِ لِلْبَيْعِ , وَلَا يُقَالُ لِنَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا أَفْرَزَ الْوَقْفَ وَقَسَّمَهُ مِنْ غَيْرِهِ إنَّهُ قَدْ بَاعَ الْوَقْفَ , وَلِلْآخَرِ إنَّهُ قَدْ اشْتَرَى الْوَقْفَ , وَكَيْفَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الْقِسْمَةِ وَلَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَوَجَبَتْ فِيهَا الشُّفْعَةُ؟ وَلَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَمَا أُجْبِرَ الشَّرِيكُ عَلَيْهَا إذَا طَلَبَهَا شَرِيكُهُ ; فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ , وَيَلْزَمُ إخْرَاجُ الْقُرْعَةِ , بِخِلَافِ الْبَيْعِ , وَيَتَقَدَّرُ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ فِيهَا بِقَدْرِ النَّصِيبِ الْآخَرِ إذَا تَسَاوَيَا , وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الْبَيْعِ بِاسْمِهَا وَحَقِيقَتِهَا وَحُكْمِهَا.

فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِتَصْحِيحِ الْمُزَارَعَةِ مَعَ الْقَوْلِ بِفَسَادِهَا] : وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ التَّحَيُّلُ عَلَى تَصْحِيحِ الْمُزَارَعَةِ لِمَنْ يَعْتَقِدُ فَسَادَهَا , بِأَنْ يَدْفَعَ الْأَرْضَ إلَى الْمُزَارِعِ وَيُؤَجِّرَهُ نِصْفَهَا مَشَاعًا مُدَّةً مَعْلُومَةً يَزْرَعُهَا بِبَذْرِهِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ لِلْمُؤَجِّرِ النِّصْفَ الْآخَرَ بِبَذْرِهِ تِلْكَ الْمُدَّةِ , وَيَحْفَظَهُ وَيَسْقِيَهُ وَيَحْصُدَهُ وَيُذَرِّيَهُ , فَإِذَا فَعَلَا ذَلِكَ أُخْرِجَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا نِصْفَيْنِ نِصْفًا مِنْ الْمَالِكِ وَنِصْفًا مِنْ الْمُزَارِعِ , ثُمَّ خَلَطَاهُ , فَتَكُونُ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ , فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ ثُلُثَا الْغَلَّةِ آجَرَهُ ثُلُثَ الْأَرْضِ مُدَّةً مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَ لَهُ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ ثُلُثَيْ الْأَرْضِ وَيُخْرِجَانِ الْبَذْرَ مِنْهُمَا أَثْلَاثًا وَيَخْلِطَانِهِ , وَإِنْ أَرَادَ الْمُزَارِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثُلُثَا الْبَذْرِ اسْتَاجَرَ ثُلُثَيْ الْأَرْضِ بِزَرْعِ الثُّلُثِ الْآخَرِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْحِيلَةَ الطَّوِيلَةَ الْبَارِدَةَ الْمُتْعِبَةَ , وَتَرْكَ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعَةِ الَّتِي فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَأَنَّهَا رَايُ عَيْنٍ , وَاتَّفَقَ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ , وَصَحَّ فِعْلُهَا عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ صِحَّةً لَا يُشَكُّ فِيهَا , كَمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ , فَمَا مِثْلُ هَذَا الْعُدُولِ عَنْ طَرِيقَةِ الْقَوْمِ إلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ الطَّوِيلَةِ السَّمِجَةِ إلَّا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ , فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ الطَّرِيقُ مَسْدُودَةٌ , وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحُجَّ فَاذْهَبْ إلَى الشَّامِ ثُمَّ مِنْهَا إلَى الْعِرَاقِ , ثُمَّ حُجَّ عَلَى دَرْبِ الْعِرَاقِ وَقَدْ وَصَلْتَ. فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبَ , كَيْفَ تُسَدُّ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ الْقَرِيبَةُ السَّهْلَةُ الْقَلِيلَةُ الْخَطَرِ الَّتِي سَلَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ وَيَدُلُّ عَلَى الطُّرُقِ الطَّوِيلَةِ الصَّعْبَةِ الْمَشَقَّةِ الْخَطِرَةِ الَّتِي لَمْ يَسْلُكْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا أَحَدٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت