فهرس الكتاب
مُوضِحَةٌ ثَالِثَةٌ , وَعَلَيْهِ دِيَتُهَا , فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ أَرْشُ الْمُوضِحَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى صَارَ الْكُلُّ وَاحِدَةً مِنْ جَانٍ وَاحِدٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ سَرَتْ الْجِنَايَةُ حَتَّى خَرَقَتْ مَا بَيْنَهُمَا فَإِنَّهَا تَصِيرُ وَاحِدَةً. وَهَكَذَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا بَعْدَ أُصْبُعٍ مِنْ امْرَأَةٍ حَتَّى قَطَعَ أَرْبَعًا ; فَإِنَّهُ يَجِبُ عِشْرُونَ , وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثِ وَجَبَ ثَلَاثُونَ , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ بَعْدَ الِانْدِمَالِ ; فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهَا عَشْرَةٌ , كَمَا لَوْ تَعَدَّدَ الْجَانِي فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَرْشُ جِنَايَتِهِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ وَبَعْدَهُ , وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ أَطْرَافَ رَجُلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ دِيَاتٌ , فَإِنْ انْدَمَلَتْ ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ مَعَ تِلْكَ الدِّيَاتِ دِيَةُ النَّفْسِ , وَلَوْ قَتَلَهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ , كَمَا لَوْ قَطَعَهُ عُضْوًا عُضْوًا حَتَّى مَاتَ.
فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيَلٍ لِإِسْقَاطِ حَدِّ السَّرِقَةِ] : وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْحِيَلُ الَّتِي فُتِحَتْ لِلسُّرَّاقِ وَاللُّصُوصِ الَّتِي لَوْ صَحَّتْ لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ أَبَدًا , وَلَعَمَّ الْفَسَادُ , وَتَتَابَعَ السُّرَّاقُ فِي السَّرِقَةِ. فَمِنْهَا: أَنْ يَنْقُبَ أَحَدُهُمَا السَّطْحَ وَلَا يَدْخُلَ , ثُمَّ يُدْخِلَ عَبْدَهُ أَوْ شَرِيكَهُ فَيُخْرِجَ الْمَتَاعَ مِنْ السَّطْحِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَنْزِلَ أَحَدُهُمَا مِنْ السَّطْحِ , فَيَفْتَحَ الْبَابَ مِنْ دَاخِلٍ , وَيَدْخُلُ الْآخَرُ فَيُخْرِجُ الْمَتَاعَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ مِلْكُهُ , وَأَنَّ رَبَّ الْبَيْتِ عَبْدُهُ , فَبِمُجَرَّدِ مَا يَدَّعِي ذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ , وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْبَيْتِ مَعْرُوفَ النَّسَبِ , وَالنَّاسُ تَعْرِفُ أَنَّ الْمَالَ مَالُهُ , وَأَبْلُغُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْعَبْدُ السَّارِقُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ لِسَيِّدِهِ وَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ , قَالُوا: فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ , بَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى. وَمِنْهَا: أَنْ يَبْلَعَ الْجَوْهَرَةَ أَوْ الدَّنَانِيرَ وَيَخْرُجَ بِهَا. وَمِنْهَا: أَنْ يُغَيِّرَ هَيْئَةَ الْمَسْرُوقِ بِالْحِرْزِ ثُمَّ يَخْرُجَ بِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَدْخَلَهُ دَارِهِ , وَفَتَحَ لَهُ بَابَ دَارِهِ , فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ وَإِنْ كَذَّبَهُ , إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَقِيقَتُهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى سَارِقٍ أَلْبَتَّةَ. وَكُلُّ هَذِهِ حِيَلٌ بَاطِلَةٌ لَا تُسْقِطُ الْقَطْعَ , وَلَا تُثِيرُ أَدْنَى شُبْهَةٍ , وَمُحَالٌ أَنْ تَاتِيَ شَرِيعَةٌ بِإِسْقَاطِ عُقُوبَةِ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ بِهَا , بَلْ وَلَا سِيَاسَةٌ عَادِلَةٌ ; فَإِنَّ الشَّرَائِعَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ , وَفِي هَذِهِ الْحِيَلِ أَعْظَمُ الْفَسَادِ , وَلَوْ أَنَّ مَلِكًا مِنْ الْمُلُوكِ وَضَعَ عُقُوبَةً عَلَى جَرِيمَةٍ مِنْ الْجَرَائِمِ لِمَصْلَحَةِ رَعِيَّتِهِ , ثُمَّ أَسْقَطَهَا بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْحِيَلِ عُدَّ مُتَلَاعِبًا.
فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِإِسْقَاطِ حَدِّ الزِّنَا] : وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْحِيلَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَدِّ الزِّنَا بِالْكُلِّيَّةِ , وَتُرْفَعُ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ مِنْ الْأَرْضِ , بِأَنْ يَسْتَاجِرَ الْمَرْأَةَ لِتَطْوِيَ لَهُ ثِيَابَهُ , أَوْ تُحَوِّلَ لَهُ مَتَاعًا مِنْ جَانِبِ الدَّارِ إلَى جَانِبٍ آخَرَ , أَوْ يَسْتَاجِرَهَا لِنَفْسِ الزِّنَا , ثُمَّ يَزْنِي بِهَا ; فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَزْنِيَ بِأُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ ابْنَته أَوْ خَالَتُهُ أَوْ عَمَّتِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَلْيَعْقِدْ عَلَيْهَا عَقْدَ النِّكَاحِ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ , ثُمَّ يَطَؤُهَا وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ الْمُحْصَنَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَزْنِيَ وَلَا يُحَدَّ فَلْيَرْتَدَّ ثُمَّ يُسْلِمْ فَإِنَّهُ إذَا زَنَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَسْتَانِفَ نِكَاحًا أَوْ وَطْئًا جَدِيدًا. وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ إذَا زَنَى بِأُمِّهِ وَخَافَ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فَلْيَقْتُلْهَا , فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ , وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِالزِّنَا وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْقَدْحُ فِيهِمْ فَلْيُصَدِّقْهُمْ. فَإِذَا صَدَقَهُمْ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ. وَلَا يَخْفَى أَمْرُ هَذِهِ الْحِيَلِ وَنِسْبَتُهَا إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ , وَهَلْ هِيَ نِسْبَةٌ مُوَافِقَةٌ أَوْ هِيَ نِسْبَةٌ مُنَاقِضَةٌ؟.