فهرس الكتاب
فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِإِبْرَارِ مَنْ حَلَفَ لَا يَاكُلُ شَيْئًا ثُمَّ غَيَّرَهُ عَنْ حَالِهِ الْأَوَّلِ] : وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَاكُلُ مِنْ هَذَا الْقَمْحِ , فَالْحِيلَةُ أَنْ يَطْحَنَهُ وَيَعْجِنَهُ وَيَاكُلَهُ خُبْزًا , وَطَرْدُ هَذِهِ الْحِيلَةِ الْبَارِدَةِ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَاكُلُ هَذِهِ الشَّاةَ فَلْيَذْبَحْهَا وَلْيَطْبُخْهَا ثُمَّ يَاكُلْهَا , وَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَاكُلُ هَذِهِ النَّخْلَةَ فَلْيَجِذَّ ثَمَرَهَا ثُمَّ يَاكُلْهَا , فَإِنْ طَرَدُوا ذَلِكَ فَمِنْ الْفَضَائِحِ الشَّنِيعَةِ , وَإِنْ فَرَّقُوا تَنَاقَضُوا , فَإِنْ قَالُوا:"الْحِنْطَةُ يُمْكِنُ أَكْلُهَا صِحَاحًا بِخِلَافِ الشَّاةِ وَالنَّخْلَةِ , فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ"قِيلَ: وَالْعَادَةُ أَنَّ الْحِنْطَةَ لَا يَاكُلُهَا صِحَاحًا إلَّا الدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ , وَإِنَّمَا تُؤْكَلُ خُبْزًا , فَكِلَاهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَ الْحَالِفِ وَكُلِّ عَاقِلٍ.
فَصْلٌ: وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْمُحَرَّمَةِ الْمُضَاهِيَةِ لِلْحِيلَةِ الْيَهُودِيَّةِ مَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَاكُلُ هَذَا الشَّحْمَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُذِيبَهُ ثُمَّ يَاكُلَ. وَهَذَا كُلُّهُ تَصْدِيقٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ , قَالُوا: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟} وَتَصْدِيقُ قَوْلِهِ: {لَتَاخُذَنَّ أُمَّتِي مَا أَخَذَ الْأُمَمُ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ , حَتَّى لَوْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى عَلَانِيَةً لَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَفْعَلُهُ} . وَهَذِهِ الْحِيلَةُ فِي الشُّحُومِ هِيَ حِيلَةُ الْيَهُودِ بِعَيْنِهَا , بَلْ أَبْلَغُ مِنْهَا , فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَاكُلُوا الشَّحْمَ بَعْدَ إذَابَتِهِ وَإِنَّمَا أَكَلُوا ثَمَنَهُ.
فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِتَجْوِيزِ نِكَاحِ الْأَمَةِ مَعَ الطَّوْلِ] : وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْمُحَرَّمَةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ أَنْ يُمَلِّكَ مَالَهُ لِوَلَدِهِ ثُمَّ يَعْقِدَ عَلَى الْأَمَةِ ثُمَّ يَسْتَرِدَّ الْمَالَ مِنْهُ. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ لَا تَرْفَعُ الْمَفْسَدَةَ الَّتِي حُرِّمَ لِأَجْلِهَا نِكَاحُ الْأَمَةِ , وَلَا تُخَفِّفُهَا , وَلَا تَجْعَلُهُ عَادِمًا لِلطَّوْلِ ; فَلَا تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} وَهَذِهِ الْحِيلَةُ حِيلَةٌ عَلَى اسْتِبَاحَةِ نَفْسِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ: وَمِنْهَا لَوْ عَلَى كَافِرٌ بِنَاءَهُ عَلَى مُسْلِمٍ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ , فَالْحِيلَةُ عَلَى جَوَازِهِ أَنْ يُعَلِّيَهَا مُسْلِمٌ مَا شَاءَ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا الْكَافِرُ مِنْهُ فَيَسْكُنُهَا. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ وَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ فَهِيَ مِمَّا أُدْخِلَتْ فِي الْمَذْهَبِ غَلَطًا مَحْضًا , وَلَا تُوَافِقُ أُصُولَهُ وَلَا فُرُوعَهُ ; فَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عَدَمُ تَمْكِينِهِ مِنْ سُكْنَاهَا ; فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ لَمْ تَكُنْ فِي نَفْسِ الْبِنَاءِ , وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي تَرَفُّعِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ.
فَصْلٌ: [إسْقَاطُ حِيلَةٍ لِإِبْرَاءِ الْغَاصِبِ مِنْ الضَّمَانِ] وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ إذَا غَصَبَهُ طَعَامًا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ وَلَا يُعْلِمَهُ بِهِ , فَلْيَدْعُهُ إلَى دَارِهِ , ثُمَّ يُقَدِّمُ لَهُ ذَلِكَ الطَّعَامَ , فَإِذَا أَكَلَهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ بَاطِلَةٌ , فَإِنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ إيَّاهُ , وَلَا مَكَّنَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ , فَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ رَادًّا لِعَيْنِ مَالِهِ إلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ أَهْدَاهُ إلَيْهِ فَقَبِلَهُ وَتَصَرَّفَ فِيهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَالُهُ؟ قِيلَ: إنْ خَافَ مِنْ إعْلَامِهِ بِهِ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ مِنْهُ بَرِئَ بِذَلِكَ , وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمِنَّةَ عَلَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَبْرَا , وَلَا سِيَّمَا إنْ كَافَأَهُ عَلَى الْهَدِيَّةِ فَقَبِلَ , فَهَذَا لَا يَبْرَأُ قَطْعًا.
فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيَلٍ فِي الْأَيْمَانِ] مِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ بِلَا شَكٍّ الْحِيَلُ الَّتِي يُفْتِي بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ الشَّيْءَ ثُمَّ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ , فَيَتَحَيَّلُ لَهُ حَتَّى يَفْعَلَهُ بِلَا حِنْثٍ , وَذَكَرُوا لَهَا صُوَرًا: أَحَدَهَا: أَنْ يَحْلِفَ لَا يَاكُلُ هَذَا الطَّعَامَ , ثُمَّ يَحْلِفُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لَيَاكُلَنَّهُ , فَالْحِيلَةُ أَنْ يَاكُلَهُ إلَّا لُقْمَةً مِنْهُ , فَلَا يَحْنَثُ. وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَاكُلَ هَذَا الْجُبْنَ , ثُمَّ حَلَفَ لَيَاكُلَنَّهُ , قَالُوا: فَالْحِيلَةُ أَنْ يَاكُلَهُ بِالْخُبْزِ , وَيَبَرَّ وَلَا يَحْنَثَ. وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ , ثُمَّ