فهرس الكتاب
حَلَفَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لَيَلْبَسَنَّهُ , فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا ثُمَّ يَلْبَسُهُ , فَلَا يَحْنَثُ. وَطَرْدُ قَوْلِهِمْ أَنْ يُنْسِلَ مِنْهُ خَيْطًا ثُمَّ يَلْبَسَهُ. وَلَا يَخْفَى أَمْرُ هَذِهِ الْحِيلَةِ وَبُطْلَانُهَا , وَأَنَّهَا مِنْ أَقْبَحِ الْخِدَاعِ وَأَسْمَجِهِ , وَلَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوَاعِدِ الْفِقْهِ وَلَا فُرُوعِهِ وَلَا أُصُولِ الْأَئِمَّةِ ; فَإِنَّهُ إنْ كَانَ بِتَرْكِ الْبَعْضِ لَا يُعَدُّ آكِلًا وَلَا لَابِسًا فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِالْحَلِفِ لَيَفْعَلَنَّ فَإِنَّهُ إنْ عُدَّ فَاعِلًا وَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ فِي جَانِبِ النَّفْيِ , وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ فَاعِلًا وَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ فِي جَانِبِ الثُّبُوتِ , فَأَمَّا أَنْ يُعَدَّ فَاعِلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الثُّبُوتِ وَغَيْرِ فَاعِلٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّفْيِ فَتَلَاعُبٌ.
فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيَلٍ فِي الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَنَحْوِهِمَا] وَمِنْهَا الْحِيَلُ الَّتِي تُبْطِلُ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ وَالطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ بِالْكُلِّيَّةِ , وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْحِيلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ , كَقَوْلِهِ: إنْ تَظَاهَرْتُ مِنْكِ أَوْ آلَيْتُ مِنْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا , فَلَا يُمْكِنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظِهَارٌ وَلَا إيلَاءٌ , وَكَذَلِكَ يَقُولُ: إنْ أَعْتَقْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ الْإِعْتَاقِ , وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ الْبَيْعِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بُطْلَانُ هَذِهِ الْحِيَلِ كُلِّهَا.
فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِحُسْبَانِ الدَّيْنِ مِنْ الزَّكَاةِ] وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْمُحَرَّمَةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ , وَقَدْ أَفْلَسَ غَرِيمُهُ وَأَيِسَ مِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ , وَأَرَادَ أَنْ يَحْسِبَهُ مِنْ الزَّكَاةِ , فَالْحِيلَةُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الزَّكَاةِ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ , فَيَصِيرُ مَالِكًا لِلْوَفَاءِ , فَيُطَالِبُهُ حِينَئِذٍ بِالْوَفَاءِ , فَإِذَا أَوْفَاهُ بَرِئَ وَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَنْ الدَّافِعِ. وَهَذِهِ حِيلَةٌ بَاطِلَةٌ , سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِ الْوَفَاءَ أَوْ مَنَعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ بِنِيَّةِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ دَيْنِهِ , فَكُلُّ هَذَا لَا يُسْقِطُ عَنْهُ الزَّكَاةَ , وَلَا يُعَدُّ مَخْرَجًا لَهَا لَا شَرْعًا وَلَا عُرْفًا كَمَا لَوْ أَسْقَطَ دَيْنَهُ وَحَسَبَهُ مِنْ الزَّكَاةِ. قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ بِرَهْنٍ , وَلَيْسَ عِنْدَهُ قَضَاؤُهُ , وَلِهَذَا الرَّجُلِ زَكَاةُ مَالٍ , قَالَ: يُفَرِّقُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ , فَيَدْفَعُ إلَيْهِ رَهْنَهُ , وَيَقُولُ لَهُ: الدَّيْنُ الَّذِي لِي عَلَيْكَ هُوَ لَكَ , وَيَحْسِبُهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ , قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: فَيَدْفَعُ إلَيْهِ زَكَاتَهُ فَإِنْ رَدَّهُ إلَيْهِ قَضَى مِمَّا أَخَذَهُ مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ ; وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ - وَقِيلَ لَهُ: فَإِنْ أَعْطَاهُ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ؟ - قَالَ: إذَا كَانَ بِحِيلَةٍ فَلَا يُعْجِبُنِي , قِيلَ لَهُ: فَإِنْ اسْتَقْرَضَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ دَرَاهِمَ فَقَضَاهُ إيَّاهَا ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ وَحَسِبَهَا مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: إذَا أَرَادَ بِهَذَا إحْيَاءَ مَالِهِ فَلَا يَجُوزُ , وَمُطْلَقُ كَلَامِهِ يَنْصَرِفُ إلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ ; فَيَحْصُلُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ إلَى الْغَرِيمِ جَائِزٌ , سَوَاءٌ دَفَعَهَا ابْتِدَاءً أَوْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ثُمَّ دَفَعَ مَا اسْتَوْفَاهُ إلَيْهِ , إلَّا أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ بِالدَّفْعِ إحْيَاءَ مَالِهِ وَاسْتِيفَاءَ دَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ لِلَّهِ وَلِلْمُسْتَحِقِّ , فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى الدَّافِعِ , يَفُوزُ بِنَفْعِهَا الْعَاجِلِ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ مَنَعَهُ مِنْ أَخْذِهَا مِنْ الْمُسْتَحِقِّ بِعِوَضِهَا , فَقَالَ:"لَا تَشْتَرِهَا وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ"فَجَعَلَهُ بِشِرَائِهَا مِنْهُ بِثَمَنِهَا عَائِدًا فِيهَا , فَكَيْفَ إذَا دَفَعَهَا إلَيْهِ بِنِيَّةِ أَخْذِهَا مِنْهُ؟ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إذَا جَاءَ الْمُصَدَّقُ فَادْفَعْ إلَيْهِ صَدَقَتَكَ , وَلَا تَشْتَرِهَا , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ:"ابْتَعْهَا"فَأَقُولُ: إنَّمَا هِيَ لِلَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا تَشْتَرِ طَهُورَ مَالِكِ. وَلِلْمَنْعِ مِنْ شِرَائِهِ عِلَّتَانِ ; إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُتَّخَذُ ذَرِيعَةً وَحِيلَةً إلَى اسْتِرْجَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا ; لِأَنَّ الْفَقِيرَ يَسْتَحِي مِنْهُ فَلَا يُمَاكِسُهُ فِي ثَمَنِهَا , وَرُبَّمَا أَرْخَصَهَا لِيَطْمَعَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ صَدَقَةً أُخْرَى , وَرُبَّمَا عَلِمَ أَوْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَبِعْهُ إيَّاهَا اسْتَرْجَعَهَا مِنْهُ فَيَقُولُ: ظَفَرِي بِهَذَا الثَّمَنِ خَيْرٌ مِنْ الْحِرْمَانِ. الْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: قَطْعُ طَمَعِ نَفْسِهِ عَنْ الْعَوْدِ فِي شَيْءٍ أَخْرَجَهُ لِلَّهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ , فَإِنَّ النَّفْسَ مَتَى طَمِعَتْ فِي عَوْدِهِ بِوَجْهٍ مَا