الصفحة 197 من 429

الْمَبِيعِ إذَا ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ ضَمَانَهُ بِالثَّمَنِ لَا بِالْقِيمَةِ , فَإِذَا ضَمَّنَهُ إيَّاهُ بِقِيمَتِهِ رَجَعَ بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ. قَالُوا: وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهُ نَظَرْتُ ; فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَنْفَعَةٌ كَقِيمَةِ الْوَلَدِ وَنُقْصَانِ الْجَارِيَةِ بِالْوِلَادَةِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَدَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ , وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُ بِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ مَنْفَعَةٌ كَالْأُجْرَةِ وَالْمَهْرِ وَأَرْشِ الْبَكَارَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ ; أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهِ ; لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ. وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ ; لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَنْفَعَةٌ , وَهَذَا التَّعْلِيلُ أَيْضًا يُوجِبُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَرْجِعَ بِالتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ اللَّذَيْنِ ضَمِنَهُمَا ; فَإِنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى الضَّمَانِ بِالْمُسَمَّى , لَا بِعِوَضِ الْمِثْلِ , وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ إنَّمَا هِيَ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْمُسَمَّى , وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ نَحْوُ ذَلِكَ. وَعَقْدُ الْبَابِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَرْجِعُ إذَا غَرَّهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهُ خَاصَّةً , فَإِذَا غَرِمَ وَهُوَ مُودَعٌ أَوْ مُتَّهَبٌ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ رَجَعَ بِهِمَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانًا , وَإِنْ ضَمِنَ وَهُوَ مُسْتَاجِرٌ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ وَالْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى مَا بَذَلَهُ مِنْ عِوَضِ الْمَنْفَعَةِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَهُ مِنْ عِوَضِ الْمَنْفَعَةِ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهِ , فَيُقَالُ لَهُمْ ; نَعَمْ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهِ بِالْمُسَمَّى لَا بِعِوَضِ الْمِثْلِ , وَإِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا , وَضَمِنَ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ؟ فَقَالُوا: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ قِيمَةِ الْعَيْنِ ; لِأَنَّهُ الْتَزَمَ ضَمَانَ الْعَيْنِ وَدَخَلَ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ بِلَا عِوَضٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا زَادَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي بَذَلَهُ , وَإِنْ كَانَ مُسْتَعِيرًا وَضَمِنَ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ رَجَعَ بِمَا غَرِمَهُ مِنْ ضَمَانِ الْمَنْفَعَةِ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى اسْتِيفَائِهَا مَجَّانًا , وَلَمْ يَرْجِعْ بِمَا ضَمِنَهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهَا بِقِيمَتِهَا. وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ مَا حَصَلَ لَهُ مَنْفَعَةٌ تُقَابِلُ مَا غَرِمَ كَالْمَهْرِ وَالْأُجْرَةِ فِي الْمَبِيعِ وَفِي الْهِبَةِ وَفِي الْعَارِيَّةِ , وَكَقِيمَةِ الطَّعَامِ إذَا قُدِّمَ لَهُ أَوْ وُهِبَ مِنْهُ فَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْعِوَضَ , فَإِذَا غَرِمَ عِوَضَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ , وَالصَّحِيحُ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى اسْتِيفَائِهِ بِعِوَضٍ , وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَوْفِيهِ بِعِوَضِهِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ذَلِكَ , وَلَوْ عَلِمَ الضَّيْفُ أَنَّ صَاحِبَ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرَهُ يُغَرِّمُهُ الطَّعَامَ لَمْ يَاكُلْهُ , وَلَوْ ضَمِنَ الْمَالِكُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْغَاصِبِ جَازَ , وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْقَابِضِ إلَّا بِمَا يَرْجِعُ لَهُ عَلَيْهِ , فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُسْتَاجِرًا بِمَا غَرِمَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ. وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ خَاصَّةً , وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُشْتَرِيًا بِمَا غَرِمَهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ , وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا بَذَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ , وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُسْتَعِيرًا بِمَا غَرِمَهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ ; إذْ لَا مُسَمًّى هُنَاكَ , وَإِذَا كَانَ مُتَّهَبًا أَوْ مُودَعًا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ , فَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ مِنْ الْغَاصِبِ هُوَ الْمَالِكُ فَلَا شَيْءَ لَهُ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا , وَمَا سِوَاهُ فَعَلَى الْغَاصِبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ , وَأَمَّا مَا لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا بَلْ يَكُونُ قَرَارُهُ عَلَى الْغَاصِبِ فَهُوَ عَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا هَاهُنَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ الْمَغْرُورِ ابْتِدَاءً , كَمَا لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ قَرَارًا , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ , وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُودِعِ إذَا أَوْدَعَهَا - يَعْنِي الْوَدِيعَةَ - عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَتَلِفَتْ فَإِنَّهُ لَا يُضَمِّنُ الثَّانِيَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ , وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ. وَطَرْدُ هَذَا النَّصِّ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الْمَغْرُورَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ , وَهُوَ الصَّحِيحُ ; فَإِنَّهُ مَغْرُورٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَنَّهُ مُطَالَبٌ , فَلَا هُوَ الْتَزَمَ الْمُطَالَبَةَ وَلَا الشَّارِعُ أَلْزَمَهُ بِهَا , وَكَيْفَ يُطَالِبُ الْمَظْلُومَ الْمَغْرُورَ وَيَتْرُكُ الظَّالِمَ الْغَارَّ؟ وَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت