الصفحة 198 من 429

سِيَّمَا إنْ كَانَ مُحْسِنًا بِأَخْذِهِ الْوَدِيعَةَ , وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهَذَا شَانُ الْغَارِّ الظَّالِمِ. وَقَدْ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْمَغْرُورَ بِالْأَمَةِ إذَا وَطِئَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً , وَأَخَذَ مِنْهُ سَيِّدُهَا الْمَهْرَ , رَجَعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ. وَقَضَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى عِوَضَهُ. وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ عَنْ الصَّحَابَةِ هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ , وَمَالِكٌ أَخَذَ بِقَوْلِ عُمَرَ , وَأَبُو حَنِيفَةَ أَخَذَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ. وَقَوْلُ عُمَرَ أَفْقَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِالْمَهْرِ , وَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِالثَّمَنِ وَقَدْ بَذَلَهُ , وَأَيْضًا فَالْبَائِعُ ضَمِنَ لَهُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ سَلَامَةَ الْوَطْءِ كَمَا ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَلَدِ. فَكَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي أُجْرَةِ الِاسْتِخْدَامِ إذَا ضَمَّنَهُ إيَّاهَا الْمُسْتَحِقُّ , هَلْ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَارِّ؟. قُلْنَا: نَعَمْ يَرْجِعُ بِهَا , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ , وَقَدْ قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَيْضًا بِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَجَدَ امْرَأَتَهُ بَرْصَاءَ أَوْ عَمْيَاءَ أَوْ مَجْنُونَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ , وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ. وَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَالْمِيزَانِ الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَمَّا لَمْ يُعْلِمْهُ وَأَتْلَفَ عَلَيْهِ الْمَهْرَ لَزِمَهُ غُرْمُهُ. فَإِنْ قِيلَ: هُوَ الَّذِي أَتْلَفَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالدُّخُولِ. قِيلَ: لَوْ عَلِمَ أَنَّهَا كَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا , وَإِنَّمَا دَخَلَ بِهَا بِنَاءً عَلَى السَّلَامَةِ الَّتِي غَرَّهُ بِهَا الْوَلِيُّ , وَلِهَذَا لَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ وَرَضِيَ بِهِ وَدَخَلَ بِهَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فَسْخٌ وَلَا رُجُوعٌ , وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي غَرَّتْهُ سَقَطَ مَهْرُهَا. وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَغْرُورَ إمَّا مُحْسِنٌ , وَإِمَّا مَعْذُورٌ , وَكِلَاهُمَا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ , بَلْ مَا يَلْزَمُ الْمَغْرُورَ بِاسْتِلْزَامِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ وَالْأُجْرَةِ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْمَهْرُ قَدْ الْتَزَمَهُ , فَكَيْفَ يَرْجِعُ بِهِ؟ قِيلَ: إنَّمَا الْتَزَمَهُ فِي مَحَلٍّ سَلِيمٍ , وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ فِي مَعِيبَةٍ وَلَا أَمَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ ; فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُنْتَقَضُ عَلَيْكُمْ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَلْزَمَهُ فِيهِ بِالصَّدَاقِ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا , وَهُوَ لَمْ يَلْتَزِمْهُ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ. قِيلَ: لَمَا أَقْدَمَ عَلَى الْبَاطِلِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ غَرَّهُ , بَلْ كَانَ هُوَ الْغَارُّ لِنَفْسِهِ , فَلَا يَذْهَبُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ مَجَّانًا , وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ , بَلْ لَوْ فَسَدَ النِّكَاحُ بِغُرُورِ الْمَرْأَةِ سَقَطَ مَهْرُهَا , أَوْ بِغُرُورِ الْوَلِيِّ رَجَعَ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيَلٍ لِتَجْوِيزِ الْعِينَةِ] : وَمِنْ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ الْبَاطِلَةِ التَّحَيُّلُ عَلَى جَوَازِ مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ , مَعَ أَنَّهَا حِيلَةٌ فِي نَفْسِهَا عَلَى الرِّبَا , وَجُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ عَلَى تَحْرِيمِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ أَرْبَابُ الْحِيَلِ لِاسْتِبَاحَتِهَا عِدَّةَ حِيَلٍ , مِنْهَا: أَنْ يُحْدِثَ الْمُشْتَرِي فِي السِّلْعَةِ حَدَثًا مَا تَنْقُصُ بِهِ أَوْ تَتَعَيَّبُ ; فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِبَائِعِهَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا , وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ قَابِلَةً لِلتَّجَزُّؤِ فَيَمْسِكُ مِنْهَا جُزْءًا مَا وَيَبِيعُهُ بَقِيَّتَهَا , وَمِنْهَا: أَنْ يَضُمَّ الْبَائِعُ إلَى السِّلْعَةِ سِكِّينًا أَوْ مِنْدِيلًا أَوْ حَلْقَةً حَدِيدًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ , فَيَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي وَيَبِيعُهُ السِّلْعَةَ بِمَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ , وَمِنْهَا: أَنْ يَهَبَهَا الْمُشْتَرِي لِوَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ مَنْ يَثِقُ بِهِ , فَيَبِيعُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ بَائِعِهَا , فَإِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ أَعْطَاهُ لِلْوَاهِبِ , وَمِنْهَا: أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهَا نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ إحْدَاثِ شَيْءٍ وَلَا هِبَةٍ لِغَيْرِهِ , لَكِنْ يَضُمُّ إلَى ثَمَنِهَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ أَوْ مِنْدِيلًا أَوْ سِكِّينًا وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعِينَةَ عَلَى وَجْهِهَا أَسْهَلُ مِنْ هَذَا التَّكَلُّفِ , وَأَقَلُّ مَفْسَدَةً , وَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ قَدْ حَرَّمَ مَسْأَلَةَ الْعِينَةِ لِمَفْسَدَةٍ فِيهَا فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ لَا تَزُولُ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ , بَلْ هِيَ بِحَالِهَا , وَانْضَمَّ إلَيْهَا مَفْسَدَةٌ أُخْرَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت