فهرس الكتاب
الْبَابِ وَإِلْحَاقُ الصُّورَةِ النَّادِرَةِ الَّتِي قَطَعَ بِأَنَّهَا لَا تُوصِلُ إلَى الْحَرَامِ بِالْغَالِبِ مِنْهَا الْمُوصِلُ إلَيْهِ. وَهَذَا غُلُوٌّ فِي الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ. وَالثَّالِثُ: مَا يَحْتَمِلُ وَيَحْتَمِلُ. وَفِيهِ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ وَيَخْتَلِفُ التَّرْجِيحُ عِنْدَهُمْ بِسَبَبِ تَفَاوُتِهَا. قَالَ: وَنَحْنُ نُخَالِفُهُمْ فِي جَمِيعِهَا إلَّا الْقِسْمَ الْأَوَّلَ , لِانْضِبَاطِهِ وَقِيَامِ الدَّلِيلِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ , بَلْ نَقُولُ بِهِ فِي الْوَاجِبَاتِ كَمَا نَقُولُ: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. أَمَّا مُخَالَفَتُهُمْ فِي الثَّانِي فَكَذَلِكَ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَعَلَّهُ الَّذِي حَاوَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ تَخْرِيجَ قَوْلٍ مِنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ عَنْ النَّصِّ , وَقَدْ عَرَفَ مَا فِيهِ. وَاسْتَشْهَدَ لَهُ أَيْضًا بِالْوَصِيِّ يَبِيعُ شِقْصًا عَلَى الْيَتِيمِ فَلَا يَاخُذُ بِالشُّفْعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ. وَبِالْمَرِيضِ يَبِيعُ الشِّقْصَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَنَّ الْوَارِثَ لَا يَاخُذُ بِالشُّفْعَةِ عَلَى وَجْهٍ , سَدًّا لِذَرِيعَةِ الشَّرْعِ. وَحَاوَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِذَلِكَ تَخْرِيجَ وَجْهٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَيِّنَةِ وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ هَذَا , فَتِلْكَ عُقُودٌ قَائِمَةٌ بِشُرُوطِهَا وَلَا خَلَلَ فِيهَا وَإِنْ مَنَعَهَا الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. وَقَدْ يَقُولُ بِالْقِسْمِ الثَّالِثِ فِي مَسَائِلَ: (مِنْهَا) إقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى قَوْلِ الْإِبْطَالِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ , بَلْ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. و (مِنْهَا) إذَا ادَّعَتْ الْمُجْبَرَةُ مَحْرَمِيَّةً أَوْ رَضَاعًا بَعْدَ الْعَقْدِ. قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: يُقْبَلُ قَوْلُهَا , لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ , وَرُبَّمَا انْفَرَدَتْ بِعِلْمِهِ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَا يُقْبَلُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ , لِأَنَّ النِّكَاحَ مَعْلُومٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَحْرَمِيَّةِ. وَفَتْحُ هَذَا الْبَابِ طَرِيقُ الْفَسَادِ , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ بَلْ اعْتِمَادٌ عَلَى الْأَصْلِ. قُلْت: وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله تعالى - فِي"الْبُوَيْطِيِّ"عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّجْمِيعِ بِالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَتْ فِيهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ إذَا كَانَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ قَالَ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُهُ لِئَلَّا يَعْمِدَ قَوْمٌ لَا يَرْضَوْنَ إمَامًا فَيُصَلُّونَ بِإِمَامٍ غَيْرَهُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْأُمِّ"فِي مَنْعِ قَرْضِ الْجَارِيَةِ الَّتِي يَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ وَطْؤُهَا: وَتَجْوِيزُ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى أَنْ يَصِيرَ ذَرِيعَةً أَنْ يَطَأَهَا وَهُوَ يَمْلِكُ رَدَّهَا. قَالَ الْمَحَامِلِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ بِالْقَرْضِ وَطْءَ الْجَارِيَةِ ثُمَّ يَرُدُّهَا عَلَى الْمُقْرِضِ , فَيَسْتَبِيحُ الْوَطْءَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ. قِيلَ: وَفِيهِ مَنْعُ الذَّرَائِعِ. ."
وفي تبصرة الحكام:
فَصْلٌ فِي الْقَضَاءِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَالذَّرِيعَةِ الْوَسِيلَةِ إلَى الشَّيْءِ ,
وَمَعْنَى ذَلِكَ: حَسْمُ مَادَّةِ وَسَائِلِ الْفَسَادِ , فَمَتَى كَانَ الْفِعْلُ السَّالِمُ عَنْ الْمَفْسَدَةِ وَسِيلَةً إلَى الْمَفْسَدَةِ مَنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ رحمه الله وَالْقَوْلُ بِسَدِّهِ مَاخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} , فَمَتَى خَافَ الْمُسْلِمُ إذَا سَبَّ دِينَ الْكُفْرِ يُؤَدِّي إلَى سَبِّ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ الْإِسْلَامِ أَوْ أَهْلِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسُبَّ دِينَهُمْ وَلَا صُلْبَانَهُمْ , وَلَا مَا يَتَعَرَّضُ إلَى مَا يَدْعُو إلَى ذَلِكَ , قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: أَبْوَابُ الذَّرَائِعِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَلَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا , مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: {دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك} , وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: {الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ , فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ , وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَانَ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ , أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى , أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ} . مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: الذَّرِيعَةُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مُعْتَبَرٌ إجْمَاعًا كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي