الصفحة 84 من 429

أَحَدُ الْمُجْتَهِدِينَ قَالَ بِالْحِلِّ. وَمَثَّلُوا لَهُ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ بِدُونِ وَلِيٍّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقِسْمُ دَاخِلًا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ (الشُّبْهَةَ الْحُكْمِيَّةَ) .

النَّوْعُ الرَّابِعُ - بَيْعُ جُمْلَةٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِجُمْلَةٍ مِنْهَا:

33 -ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةُ , وَالشَّافِعِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ , وَزُفَرُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) إلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ جُمْلَةً مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِدَنَانِيرَ , أَوْ بِجُمْلَةٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بَطَلَ الْعَقْدُ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَرْعَ مَسْأَلَةِ: (مُدِّ عَجْوَةٍ) , وَقَالُوا فِي عِلَّةِ بُطْلَانِهِ إنَّ اشْتِمَالَ أَحَدِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ أَوْ كِلَيْهِمَا عَلَى مَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ تَوْزِيعُ مَا فِي الْآخَرِ عَلَيْهِمَا اعْتِبَارًا بِالْقِيمَةِ , وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى الْمُفَاضَلَةِ أَوْ الْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ حَقِيقَةُ الْمُفَاضَلَةِ فِي بَابِ الرِّبَا قَالُوا: إنَّ التَّوْزِيعَ هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ , كَمَا فِي بَيْعِ شِقْصٍ مَشْفُوعٍ وَسَيْفٍ بِأَلْفٍ. وَقِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةٌ وَالسَّيْفِ خَمْسُونَ , فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَاخُذُ الشِّقْصَ بِثُلُثَيْ الْقِيمَةِ , وَلَوْلَا التَّوْزِيعُ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ. قَالَ السُّبْكِيّ: وَلَا يُتْرَكُ التَّوْزِيعُ وَإِنْ أَدَّى إلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ , فَإِنَّ الْعَقْدَ إذَا كَانَ لَهُ مُقْتَضًى حُمِلَ عَلَيْهِ , سَوَاءٌ أَدَّى إلَى فَسَادِ الْعَقْدِ أَوْ إلَى صَلَاحِهِ , كَمَا إذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ , وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُقَابَلَةَ جَمِيعِ الثَّمَنِ لِلثَّمَنِ حُمِلَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَدَّى إلَى فَسَادِهِ , وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الدِّرْهَمَيْنِ هِبَةٌ وَالْآخَرَ ثَمَنٌ لِيَصِحَّ الْعَقْدُ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِ صَرْفِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مِنْ جَانِبٍ بِمِثْلِهِمَا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ. فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ , لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ بِاحْتِمَالِ رَغْبَةِ أَحَدِهِمَا فِي دِينَارِ الْآخَرِ , فَيُقَابِلُهُ بِدِينَارِهِ وَبَعْضِ دِرْهَمِهِ , وَيَصِيرُ بَاقِي دِرْهَمِهِ فِي مُقَابَلَةِ دِرْهَمِ الْآخَرِ. قَالُوا: إنَّ قَاعِدَةَ الْمَذْهَبِ سَدُّ الذَّرَائِعِ فَالْفَضْلُ الْمُتَوَهَّمُ كَالْمُحَقَّقِ , وَتَوَهُّمُ الرِّبَا كَتَحَقُّقِهِ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَوْ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ نَوْعِهِ. 34 - وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ عَدَا زُفَرَ , صَحَّ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِرْهَمٍ وَدِينَارَيْنِ , وَيُجْعَلُ كُلُّ جِنْسٍ مُقَابَلًا بِخِلَافِ جِنْسِهِ , فَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ بِدِينَارَيْنِ , وَبَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِينَارٍ , وَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ , وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِيهِمَا , فَيَصِحُّ الْعَقْدُ. وَقَالُوا فِي تَوْجِيهِ صِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ إنَّ فِي صَرْفِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِهِ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ , وَإِلَى جِنْسِهِ فَسَادَهُ , وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ , فَحَمْلُ الْعَقْدِ عَلَى الصِّحَّةِ أَوْلَى , وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي مُطْلَقَ الْمُقَابَلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمُقَيَّدٍ , لَا مُقَابَلَةُ الْكُلِّ بِالْكُلِّ بِطَرِيقِ الشُّيُوعِ , وَلَا مُقَابَلَةُ الْفَرْدِ مِنْ جِنْسِهِ وَلَا مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ الْمُصَحِّحِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: إنَّ الْمُقَابَلَةَ الْمُطْلَقَةَ تَحْمِلُ الْفَرْدَ بِالْفَرْدِ , كَمَا فِي مُقَابَلَةِ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ وَإِنَّهُ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِتَصْحِيحِهِ , فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ. وَقَالَ الْمَوْصِلِيُّ فِي تَوْجِيهِهِ: إنَّهُمَا قَصَدَا الصِّلَةَ ظَاهِرًا , فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِقَصْدِهِمَا وَدَفْعًا لِحَاجَتِهِمَا. 35 - وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا بَاعَ أَحَدَ عَشَرَ بِعَشَرَةٍ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ فَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَتَكُونُ الْعَشَرَةُ بِمِثْلِهَا , وَالدِّينَارُ بِالدِّرْهَمِ ; لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ فِي الدَّرَاهِمِ التَّمَاثُلُ وَهُوَ مَوْجُودٌ ظَاهِرًا , إذْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْبَائِعِ إرَادَةُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمُقَابَلَةِ حَمْلًا عَلَى الصَّلَاحِ , وَهُوَ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ الْجَائِزِ دُونَ الْفَاسِدِ , فَبَقِيَ الدِّرْهَمُ بِالدِّينَارِ , وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا ; لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ , وَلَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت