الصفحة 93 من 429

وكذا إذا وهب منه هذا المقدار وسلّمه إليه تسقط الشفعة عند الحنفيّة والشّافعيّة , لكنّهم اختلفوا في حكمها على أقوالٍ:

فذهب محمّد من الحنفيّة , وهو الأصح عند الشّافعيّة , وبه قال ابن سريجٍ والشّيخ أبو حامدٍ إلى أنّها تكره هذه الحيلة لأنّها شرعت لدفع الضّرر عن الشّفيع، والحيلة تنافيه، ولأنّ الّذي يحتال لإسقاطها يكون بمنزلة القاصد إلى الإضرار بالغير , وذلك مكروه.

ويرى أبو يوسف من الحنفيّة أنّها لا تكره , وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة، صرّح به أبو حاتمٍ القزويني الشّافعي في كتاب الحيل بقوله: وأمّا الحيل في دفع شفعة الجار فلا كراهة فيها مطلقًا، لأنّه دفع الضّرر عن نفسه لا الإضرار بالغير، لأنّ في الحجر عليه عن التّصرف أو تملك الدّار عليه بغير رضاه إضرارًا به، وهو إنّما قصد دفع هذا الضّرر ولاحتمال أن يكون الجار فاسقًا يتأذّى به، وفي استعمال الحيلة لإسقاط الشفعة تحصيل الخلاص من مثل هذا الجار.

والفتوى في المذهب الحنفيّ على قول أبي يوسف وقيّد عدم الكراهة في السّراجيّة بما إذا كان الجار غير محتاجٍ إليه، واستحسنه شرف الدّين الغزّيّ من فقهاء الأحناف في تنوير الأبصار حيث قال: وينبغي اعتماد هذا القول لحسنه.

ب - الحيلة لتقليل رغبة الشّفيع:

24 -إذا أراد شخص أن يبيع داره بعشرة آلاف درهمٍ يبيعها بعشرين ألفًا ثمّ يقبض تسعة آلافٍ وخمسمائةٍ ويقبض بالباقي عشرة دنانير أو أقلّ أو أكثر، فلو أراد الشّفيع أن يأخذها بعشرين ألفًا إن شاء , فلا يرغب في الشفعة بسبب كثرة الثّمن.

وللحيل المسقطة للشفعة , والمقلّلة لرغبة الشّفيع أمثلة كثيرة في كتب الفقه.

وقال المالكيّة: الحيل لا تفيد في العبادات ولا في المعاملات.

وذهب الحنابلة إلى أنّه لا يحل الاحتيال لإسقاط الشفعة وإن فعل لم تسقط، قال أحمد: لا يجوز شيء من الحيل في ذلك ولا في إبطال حقّ مسلمٍ.

وبهذا قال أبو أيوب وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وأبو إسحاق والجوزجانيّ، واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود , فتستحلوا محارم اللّه بأدنى الحيل» ، ولأنّ الشفعة وضعت لدفع الضّرر , فلو سقطت بالتّحيل للحق الضّرر , فلم تسقط , مثل أن يشتري شقصًا يساوي عشرة دنانير بألف درهمٍ ثمّ يقضيه عنها عشرة دنانير.

وأمّا إذا لم يقصد به التّحيل فتسقط به الشفعة، لأنّه لا خداع فيه ولا قصد به إبطال حقٍّ، والأعمال بالنّيّات , والقول قول المشتري فيما إذا اختلفا في كونه حيلةً أم لا، لأنّ المشتري أعلم بنيّته وحاله.

الحيلة في الإجارة والمساقاة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت