فهرس الكتاب
أو أنّه دون نصابٍ , أو أنّ المالك أذن له في الأخذ لم يقطع , نظرًا إلى أنّ الحدود تدرأ بالشبهات. قال أبو حامدٍ من الشّافعيّة: هذه الدّعاوى كلها من الحيل المحرّمة , ويسمّى مدّعيها بالسّارق الظّريف كما قال الشّافعي.
وأمّا دعوى زوجيّة المزنيّ بها لإسقاط حدّ الزّنا فمن الحيل المباحة.
الحيلة في الإفتاء:
36 -صرّح الشّافعيّة بأنّه يكره للمفتي تتبع الحيل طلبًا للتّرخيص على من يروم نفعه , أو التّغليظ على من يروم ضرّه , فمن فعل هذا فلا وثوق به , وأمّا إذا صحّ قصده فاحتسب في طلب حيلةٍ لا شبهة فيها , ولا تجر إلى مفسدةٍ ليخلّص بها المستفتي من ورطة يمينٍ ونحوها فذلك حسن , وعليه يحمل ما جاء عن بعض السّلف من هذا.
ويحرم سؤال من عرف بالتّساهل واتّباع الحيل المذكورة.
وفي واضح ابن عقيلٍ للحنابلة: أنّه يستحب إعلام المستفتي بمذهب غيره إن كان أهلًا للرخصة كطالب التّخلص من الرّبا فيردّه إلى من يرى الحيل جائزةً للخلاص منه.
ويرى ابن القيّم: أنّه لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرّمة والمكروهة , ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه , فإن حسن قصده في حيلةٍ جائزةٍ لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرجٍ جاز ذلك , بل استحب , وقد أرشد اللّه تعالى نبيّه أيوب عليه السلام إلى التّخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثًا , فيضرب به المرأة ضربةً واحدة , وأرشد النّبي صلى الله عليه وسلم بلالًا إلى بيع التّمر بدراهم ثمّ يشتري بالدّراهم تمرًا آخر فيتخلّص من الرّبا , فأحسن المخارج ما خلّص من المآثم , وأقبحها ما أوقع في المحارم.
فَصْلٌ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ[
لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ]لَمَّا كَانَتْ الْمَقَاصِدُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِأَسْبَابٍ وَطُرُقٍ تُفْضِي إلَيْهَا كَانَتْ طُرُقُهَا وَأَسْبَابُهَا تَابِعَةً لَهَا مُعْتَبَرَةً بِهَا , فَوَسَائِلُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَعَاصِي فِي كَرَاهَتِهَا وَالْمَنْعِ مِنْهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَاتِهَا وَارْتِبَاطَاتِهَا بِهَا , وَوَسَائِلُ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ فِي مَحَبَّتِهَا وَالْإِذْنِ فِيهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَتِهَا ; فَوَسِيلَةُ الْمَقْصُودِ تَابِعَةٌ لِلْمَقْصُودِ , وَكِلَاهُمَا مَقْصُودٌ , لَكِنَّهُ مَقْصُودٌ قَصْدَ الْغَايَاتِ , وَهِيَ مَقْصُودَةٌ قَصْدَ الْوَسَائِلِ ; فَإِذَا حَرَّمَ الرَّبُّ تَعَالَى شَيْئًا وَلَهُ طُرُقٌ وَوَسَائِلُ تُفْضِي إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُهَا وَيَمْنَعُ مِنْهَا , تَحْقِيقًا لِتَحْرِيمِهِ , وَتَثْبِيتًا لَهُ , وَمَنْعًا أَنْ يُقْرَبَ حِمَاهُ , وَلَوْ أَبَاحَ الْوَسَائِلَ وَالذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّحْرِيمِ , وَإِغْرَاءً لِلنُّفُوسِ بِهِ , وَحِكْمَتُهُ تَعَالَى وَعِلْمُهُ يَابَى ذَلِكَ كُلَّ الْإِبَاءِ , بَلْ سِيَاسَةُ مُلُوكِ الدُّنْيَا تَابَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ أَحَدَهُمْ إذَا مَنَعَ جُنْدَهُ أَوْ رَعِيَّتَهُ أَوْ أَهْلَ بَيْتِهِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَبَاحَ لَهُمْ الطُّرُقَ وَالْأَسْبَابَ وَالذَّرَائِعَ الْمُوَصِّلَةَ إلَيْهِ لَعُدَّ مُتَنَاقِضًا , وَلَحَصَلَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَجُنْدِهِ ضِدُّ مَقْصُودِهِ.