فهرس الكتاب
نالت إيمان الشهادة الجامعية بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وارتدت لباس التخرج الأسود والقبعة المربعة تعلو رأسها، وكأنها تعلن بكل فخر وزهو مدى كفاح مرتدي هذه القبعة، ومدت يدها لتتسلم الشهادة وابتسامة الأمل تتراقص حول شفتيها، وسرعان ما جال في خاطرها خاطر قلب سعادتها للحظات ألمًا وحزنًا، عندما تذكرت أمها وتمنت لو أنها تراها الآن وتبارك لها وتفخر بها كغيرها من الزميلات والصديقات، ولم تشعر بنفسها إلا والدموع تنهمر من عينيها كاللؤلؤ في طهارة ونقاء، وأحست بيد زميلتها وهي تدفعها للأمام؛ فتابعت سيرها بعد أن أوقفتها الذكرى عن متابعة السيرة الجماعية.
بعد انتهاء مراسم استلام الشهادة؛ عادت إيمان إلى الدار وهي تحمل سلاح المستقبل، وتفكر في كيفية قضاء هذه العطلة الطويلة في الدار وحيدة كعادتها كل عام بدون صديقات أو زميلات، وقد لاح أمامها المستقبل يفتح لها ذراعيه؛ فمضت تفكر كيف سيكون هذا المستقبل الجديد؟ وكيف ستكون أيامها عندما تطرق هذه المرة بابًا جديدًا من أبواب الحياة الواسعة عندما تطرقه لتعطي فيه وليس لتأخذ منه؟ وراحت تتساءل بينها وبين نفسها: أيهما أفضل؛ الدراسة، أم العمل؟ وأيهما أكبر مسؤولية؛ العمل، أم الدراسة؟ وهل سأنجح في العمل كما نجحت في الدراسة؟
وعادت تجيب على أسئلتها بنفسها: العمل واجب فرضه الله علينا لنعيش منه كما فرضته علينا الحياة، والدراسة أيضًا أمر الله بها كما أمر بها رسوله الكريم، وقد قال تعالى في محكم كتابه: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } [المزمر: 9] .
نامت ليلتها وهي تتأرجح بين التفكير في المستقبل وبين فرحتها بنيل الشهادة وإحساسها بأنها لم تعد عالة على أحد؛ لأنها ستتكفل بنفسها منذ الآن، ولن تقبل بعد اليوم معونة أو مساعدة من أي إنسان من غير أن تكون في حاجة ماسة لها.