فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 22

في الصباح عندما جلست تتناول إفطارها؛ سألتها مديرة الدار قائلة:

-ماذا ستفعلين بشان مستقبلك؟

ردت في فخر:

-سأعمل دون شك.

-الله يوفقك يا ابنتي، ويجعل التوفيق والنجاح حليفك دائمًا.. وأين ترغبين أن تعملي؟

ردت إيمان في سعادة:

-في إحدى المدارس إن شاء الله.

وساد المكان فترة صمت، ثم قالت المديرة:

-لماذا لا تعملين هنا؟

-هنا؟! أين؟ في الدار؟

-أليس من حقها عليك أن تعملي فيها كما تعلمت وعشت فيها؟

وفجأة شعرت إيمان بأن قيدًا حديديًا قد امتد وطوق عنقها ويديها وشل حركتها؛ فلم تعد تستطيع النطق، وأحست بأن الدماء تتصاعد إلى وجهها ورأسها حارة، ومضت تحدث نفسها قائلة:

-هنا.. أعمل هنا في السجن الكثيب الذي قضيت فيه زهرة عمري متعطشة إلى الحنان.. ظامئة إلى الحب.. محرومة من الأمومة والأبوة؟!

كانت تردد في صمت بينها وبين نفسها، في حين راحت مديرة الدار تقرأ في عينيها ما ارتسم على معالم وجهها من الحزن الذي لا يمكن إخفاؤه؛ فقالت بعد أن جاهدت في أن تبعد نبرة الشفقة من صوتها:

-ما بك يا إيمان؛ هل قلت ما يؤلمك دون قصد مني؟ الله وحده يعلم كم..

ولم تدعها تكمل، بل قالت في صوت يشوبه اليأس والألم المكتوم:

-أبدًا، لم تقولي شيئًا يؤلمني، ولكن أمنيتي أن أعمل في مجال غير هذه الدار، وأحب أن أعرف كيف تكون الحياة خارج الدار، وكيف يعيش الناس خارجها، وما هي المشاكل التي يتخبطون في وحلها، وما أسبابها؛ لعلني أساعد يومًا بائسة، أو أعمل على إنقاذ ساذجة طيبة، والدار يا أمي..

وتوقفت مندهشة عند نطقها لهذه الكلمة التي حرمت منها سنوات عمرها كله، وتمنت أن تقولها، ولكنها لم تجد من تقولها له، حتى صارت ترددها بينها وبين نفسها في الأيام التي تحس فيها بقسوة الحياة عليها، وتشعر بأنها بلا أم تخفف عنها ما تعانيه من أحزان الحياة وآلامها وصدمات الزمن الذي لا يرحم..

-آه، أمي، يا لها من كلمة حلوة عذبة شافية.. كالبلسم للجرح..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت