فهرس الكتاب
وندت عنها آهة حرى فاضت بما حملته من أشواق وحنين طيلة السنوات الماضية..
-إيمان حبيبتي.. ما بك صمت؟ قوليها ثانية، ما أعذبها من كلمة! قوليها يا ابنتي..
كانت تقول ذلك ودموعها تنهمر في استسلام وهدوء؛ فما كان من إيمان إلا أن ألقت برأسها على صدرها دون أن تنبس ببنت شفة، وأطلقت لدموعها العنان لتعبر عن مكنون نفسها، ومضت المديرة تغدق عليها من حبها وحنانها، الشيء الذي جعلها معه تشعر أن هذه ليست إلا ابنتها وليست ربيبة دار..
ولما فرغت إيمان من إبداء الأسباب الجوهرية التي جعلتها تصر على أن يكون عملها خارج هذه الدار للمرة الثانية، ثم مضت المديرة تبدي أسبابها التي جعلتها تعرض عليها هذه الفكرة؛ فكان مما قالته:
-يا ابنتي! لا تنسي أنك قضيت طفولتك وصباك وشبابك معنا، وكلنا كنا أسرة واحدة، وأنا بالذات لا أستغني عنك ولا أصبر عن رؤيتك أبدًا، لهذا أحببت أن تبقي هنا لأراك باستمرار، وأكون على علم دائم بأخبارك، وأشاركك فرحتك عند زواجك وانتقالك إلى بيتك الجديد بإذن الله..
أحست إيمان على أثر هذه الكلمة التي لم تتوقعها أن خنجرًا حادًا قد غاص في أعماق قلبها، فطعنه طعنة قوية جعلتها أسيرة للعذاب طيلة حياتها.. حاولت أن ترد بأية كلمة ولكنها عبثًا حاولت، كانت الطعنة أقوى من أن تحتملها؛ فانسلت من الإدارة بأحزانها التي تأكل منها بعد أن اختلقت لها عذرًا.
كان الليل هو الرفيق الوحيد لإيمان في سهرها وجراح قلبها وآلام نفسها، كانت تشكو لله وحده حالتها وتدعوه وتناجيه بحالها، وكانت تبكي بمرارة وأسى كلما تذكرت كلمات المديرة؛ وخصوصًا كلمة الزواج والبيت، وكانت تسأل نفسها: هل سأتزوج في يوم من الأيام؟ ومن يرضى بزوجة عاشت في الدار طيلة حياتها؟ زوجة مجهولة الهوية والعنوان والأصل؟ وبلا أقارب أو أحباب؟ وهل سيصدق حكايتي المجهولة؟
وتوالت عليها الأفكار السوداء تباعًا، وامتلأ رأسها بالأسئلة الواحد تلو الآخر.