فهرس الكتاب
إن نوعًا من التلازم بين التجربة وهي تُصاغ في منظومة خبريّة محددة وبين الصيغة، يظل واضح الأثر مع استخدام الصيغة في الممارسة اليوميّة: إن (المثل) بجملة أخرى لا يحقق مجاله التداولي مرتفعًا إلى ثقافة جماعة معيّنة من دون أَن تُحيط هذه الجماعة بتجربته وتأتلف واقعته، وتعيد إنتاجها بطريقة أو بأخرى، وهي تملك من الحساسية والتنظيم ما يدفعها على الدوام إلى الكشف عن جانب من الهاجس الفني للجماعة. ولعلّ من الغني عن البيان الإشارة إلى اختصاص هذا التصوّر بالأمثال المنبثقة عن تجربة معينة، تُصاغ في (قصة) لتنظيم مجال صيغتها وبيان أصلها، من دون أن يشمل الأمثال النصيّة التي إنما قامت لخصوصية أصلها وأهميته الثقافية كأمثال القرآن الكريم، وأمثال الحديث النبوي، وأمثال الشعر، وما نُقل على ألسنة الخطباء والحكماء من مشهور القول ومتداوله، وإن اعتمدت جميعها (( ما يكاد يكون فطريًا في أمثال الأمم جمعاء نعني: الاقتضاب وبعد الإشارة ) ) [1] . وإذا كانت (القصة) قد تجلّت فنًا أدبيًا مميزًا لأهداف عديدة وغايات، فإن غايات وأهدافًا محددةً تعمل على استحضار القصة وتأمين عمل منظومة أخبارها داخل نص المثل واعتمادها وحدةً مهمة من بين وحداته، إذ أنها فضلًا عن اشتراكها مع القصة عمومًا بحكم مركزيتها للتجربة الإنسانية [2] ، وارتفاعها عن نوعية ومستوى الأدب الذي تتجلّى فيه [3] ، تعمل على إنجاز مجازها، وتأمين استعارتها بوصفها (( اللفظ المركب المستعمل فيما شبّه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه ) ) [4] ،
(1) أنيس المقدسي، تطور الأساليب النثرية في الأدب العربي: 93.
(2) ينظر: سوزان لوهافر، الاعتراف بالقصة القصيرة، ت محمد نجيب لفتة: 170.
(3) ينظر: رولان بارت، التحليل البنيوي للقصة القصيرة، ت د. نزار صبري: 23.
(4) القزويني، الإيضاح: 304، وينظر حول أهمية الصورة المجازية في مدلولات المثل د..عبد المجيد عابدين: الأمثال في النثر العربي القديم: 16 وما بعدها.