ولعلّ الّذي أحبّ لفت النّظر إليه، أنّ أهمّ من يُخاطب بهذا الكتاب هو المؤمن العامل والصّالح التّقي وطالب العلم الجاد: فهل يعصي هؤلاء؟
الجواب: نعم، وهل أوقد جذوة البكاء والخوف في قلوبهم إلاّ معاصيهم وإن كانت قليلة؟!.
فإن قيل: من أين لك هذا وهو رجمٌ بالغيب؟
قلت: أمّا الزّعم بأنّ بشرًا مهما كان قدره في العلم والعبادة لا تقع منه المعصية، فهو مخالفٌ لقواعد الشّرع في نفي العصمة عن غير الأنبياء.
وأمّا تعميم ذلك على الصّالحين فهو مقتضى الدّليل الثّابت عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومنه قوله:
(ما من مؤمن إلاّ وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة حتّى يلقى الله، إنّ المؤمن خُلق مفتّنًا توّابًا) [1] .
وقوله:
(كلّ بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التّوّابون) [2] .
لكن هذا بالطّبع لا يسوّغ اتّهام شخص بعينه بذنب معيّن، وإنّما المراد أن لا يعتقد مؤمنٌ أو عالم أنّ الكلام في الذّنوب وآثارها وكيفيّة التّخلّص منها أمرٌ يخصّ غيره من النّاس.
أوّلًا: لأنّه بشر، وكلّ بشر معرّضٌ للخطأ والزّلل.
وثانيًا: أنّه أولى بذلك من غيره، لماذا؟
لأنّ الواحد من عامّة النّاس إذا وقع في ذنب فإنّما هو ظلمة على ظلمة، ولا خاسر غيره.
وأمّا طالب العلم والعالم والعابد فإنّ معصيته ذات أثر بالغ، فإنّ العابد مثل المرآة يؤثّر فيها أيّ خدش، أضف إلى ذلك أنّ الذّنب له أثر على قلبه فيثبّطه عن العبادة، وقد يكون الذّنب مدخل الشّيطان إلى قلب العابد فيدخل القنوط إلى قلبه فيهلك.
(1) صحّحه الألباني رحمه الله تعالى في سلسلة الأحاديث الصّحيحة المجلّد السّادس ح.
(2) أخرجه أحمد 2637 والتّرمذي في صفة القيامة ح2499وابن ماجة في الزهد ح425وحسّنه الألباني في صحيح الجامع برقم 4515.