وكذلك أهل العلم، فإذا ارتكس العالم أو طالب علم بسبب ذنب أصابه ولم يحسن معاملة نفسه فيه، فكم تكون خسارته، وكم تكون خسارة الأمّة إذا فقدت عالمًا أو طالب علم أو عابدًا واعظًا بسبب سوء معاملة نفسه عند وقوعها في ذنب أو معصية كبيرة كانت أو صغيرة.
ومن هنا تعرف أنّ العالم والعابد والصّالح التّقيّ والواعظ هم أكثر النّاس عرضة لغزو الشّيطان بالذّنب لأنّ للذّنب فيهم من الأثر أضعاف ماله في غيرهم، وكسبه في تهميش دور العالم والعابد، أضعاف كسبه في أن يضيف معصيةً إلى سجلّ المعاصي لعبد من عامّة النّاس.
ولمّا سُئل ابن عبّاس عن دعوى اليهود أنّها لا توسوس في صلاتها أجاب: (وما يفعل الشّيطان بالبيت الخراب) .
وإذا تقرّر لنا هذا عرفنا سبب ما يطرؤ على العاملين في حقل الدّعوة من الضّعف والفتور الّذي غالبًا ما يكون بسبب عدم الفهم الصّحيح لمقاصد الشّريعة.
كما ندرك أنّ الكمال وإن كان أمرًا حسنًا فهو إلى الاستحالة أقرب، وأنّ الكلام في الذّنوب والسّلامة منها يخضع مثله مثل غيره لقواعد الفقه الصّحيح في درء المفاسد بالمصالح، ودرء بعض المفاسد ببعض.
وأنّ السّعي إلى الكمال وإن كان محمودًا، لكنّه مستحيل الغاية، وأنّه لا يوجد يوم القيامة ميزانٌ لا يوضع في كفّة سيّئاته شيء، حاشا ميزان الأنبياء.
وإنّما المسألة مسألة اجتهاد في سبيل نيل رضا الله تعالى، وحسن النّيّة والقصد ثمّ بذل الجهد المتاح في رجحان الخير على الشّر والحسنة على السّيّئة وأن تخرج من هذه الدّنيا بأكبر قدر ممكن من الحسنات وبأقلّ قدر ممكن من السّيّئات.
وأمّا أن يكون هدف المؤمن أن يصل إلى حدّ العصمة من الذّنب أوّ السّلامة منه فهذا في الحقيقة مفهوم غريب عن الحنيفيّة المحمّديّة، بل هو من رواسب النّصرانيّة الّتي تسرّبت إلينا عن طريق المتأثّرين بها من ضلاّل الصّوفيّة والمحسوبين عليها.