فهرس الكتاب
يا آدم لا تجزع من كأس زللٍ كانت سبب كيسِك فقد استُخرج بها منك داء لا يصلح أن تجاورنا به وأُلبست حلّة العبوديّة.
يا آدم، إنّما ابتليتك لأنّي أحبّ أن أظهر فضلي وجودي وكرمي على من عصاني.
يا آدم، كنت تدخل عليّ دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل عليّ دخول العبيد على الملوك.
يا آدم، إذا عصمتك وعصمت بنيك من الذّنوب، فعلى من أجود بحلمي؟ وعلى من أجود بعفوي ومغفرتي وتوبتي وأنا التّوّاب الرّحيم؟
يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها، فلك خلقتها، وما أهبطتك منها إلاّ لتتوسّل إليّ في الصّعود، وما أخرجتك منها نفيًا لك عنها، ما أخرجتك منها إلاّ لتعود.
يا آدم، ذنب تذلّ به لدينا أحبّ إلينا من طاعة تدلّ بها علينا.
يا آدم أنين المذنبين أحبّ إلينا من تسبيح ... المدلّين) [1] .
وأخيرًا فإنّ ذلك لا يدلّ على أنّ الله يحبّ الذّنب ويحبّ وقوع العبد فيه، بل عليك الاجتهاد في الإقلاع عن المعصية، وبذل كلّ سبب ممكن للتّوبة وترك الذّنب، فإن لم توفّق فانظر لهذه المشاهد الّتي ذكرناها، حتّى لا تقع في سوء الظّنّ بنفسك ولا بربّك عزّوجل.
لا تعجل بالهجرة
الهجرة هجرتان:
هجرة حسّيّة من أرض الكفر والمعصية إلى أرض الإيمان والطّاعة.
وهجرة معنويّة من حال الكفر والمعصية إلى حال الإيمان والطّاعة.
ولاشكّ أنّ البقاء في حال المعصية أمر مذموم في الشرع، وأنّ العبد عليه المبادرة إلى الطّاعة والإقلاع عن المعصية على الفور دون تأخير.
لكن مع هذا ينبغي للمذنب أن يتوقّف هنيهة وقفة يراجع فيها عاقبة اختياره وفعله، لأنّه قد يحسن تأخير الإقلاع الظّاهر عن المعصية لمصلحة راجحة، كما أنّ بعض الصّحابة تأخّرت هجرته إلى المدينة لمصلحة راجحة.
(1) بتصرّف من مدارج السّالكين 1/ 325 ـ 327.