فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 74

فبعض النّاس مثلًا يعمل في بنك ربوي، فيستيقظ قلبه وينوي الإقلاع عن أكل الحرام والانتقال إلى عمل مباح طلبًا لطيب الكسب، غير أنّه يعجل بالاستقالة من عمله قبل أن يؤمّن مصدر رزق لعياله.

وهذا لا شكّ أنّه أمر طيّب ودليل على صدق التّوبة، غير أنّا راينا من الأشخاص من ضاقت عليه الدّنيا خلال أشهر حيث لم يجد له عملًا [1] ، فعاد إلى البنك قبل أن يحول عليه الحول، لكن هذه المرّة بنيّة البقاء الأبدي فيه وقد أقنع نفسه أنّ النّاس كلّهم يفعلون هذا! أو أنّ فعله بسبب الضّرورة حيث إنّه إن لم يعمل في البنك سيجوع هو وعياله!!

الّذي أحبّ قوله: أنّ النّاس في باب التّوبة درجات، فليس كلّ النّاس لديه من الإيمان ما يمكّنه تحمّل قسوة العيش بعد أن يترك عمله في البنك، فلا ينبغي للعبد أن يحمّل نفسه ما لا تحتمل.

فلا بأس إن تاب العبد بقلبه ونوى أن يترك البنك أن يظلّ فيه مع الاجتهاد القويّ في البحث عن مصدر رزق حلال ولو كان بأجر أقل يكفيه وعياله، شريطة أن لا يتوسّع في استعمال راتبه في البنك بل ينفق قدر الضّرورة والباقي يتصدّق به أو ينفقه في باب برّ.

(1) الواجب على الدّعاة الابتعاد عن حالات التّشنّج والإغراق في العاطفيّة والمثاليّة، فإنّ الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة في هذه الأيّام تختلف عن الأوضاع في السّابق، فليس من السّهل الحصول على عمل يفي بلوازم الحياة، أضف إلى ذلك طبيعة هذا التّائب، فبعضهم من العوام الّذين لا علم عندهم أو فقه يبصرون به مقامات العبوديّة ولزوم الصّبر على ضنك المخالفة وشدّة ضغوط أوضاعهم الأسريّة والاجتماعيّة، فالرّفق بهم أولى ومراعاة أحوالهم واجب، ولذلك لم يقبل النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من بعض الصّحابة تصدّقهم بكلّ مالهم كما قبل ذلك من أبي بكر رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت