فهرس الكتاب
لأنّه إن ترك هكذا سريعًا دون أن يؤمّن مصدرًا آخر فلا يأمن الارتكاس وبقوّة أكبر، خصوصًا إذا كان كثير العيال، فإنّ الضّغوط الاقتصاديّة تجعل النّفس تضيق بدينها أحيانًا وتنسيها إيّاه أحيانًا أخرى.
وإذا كان العبد باقيًا في البنك للحصول على ضروريّات حياته على أمل الحصول على مصدر شرعي لرزقه فهو إلى السّلامة إن شاء الله.
ودليل ما قلناه من سيرة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنّه لم يكن يطلب من كلّ المسلمين في قبول إسلامهم أمرًا واحدًا، بل كان يسهّل على من جاءه يريد التوبة ناويًا الخير ويقبل منه ما جاء به، ويفتح له مجال الخير.
كما أنّه - صلى الله عليه وسلم - لم يطلب من كلّ المسلمين الهجرة، فبعض النّاس حبسه أهله عنها، وبعضهم حبسه عن الهجرة رعاية ماله، وبعضهم رعاية أهله، ولم يتعجلّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - منهم الهجرة كلّهم بنفس الدّرجة.
وهذا الّذي ذكرته مثال على ترك بعض الذّنوب الّتي تحتمل من العبد البقاء عليها لمصلحة راجحة، كالعمل في البنوك أو محلاّت الفيديو أو بيع الأشرطة الغنائيّة أو المطبوعات المشتملة على المنكرات، أو محلاّت بيع الدّخان.
ولا يدخل فيما قلنا كبائر الذّنوب مثل الخمر والزّنا والّلواط وأكل الرّبا وعقوق الوالدين أو جرائم البغي والاعتداء كالقتل والسّحر وشهادة الزّور.
إنّما كلامنا في بعض الذّنوب ممّا له تعلّق بحياة الشّخص وضرورة عيشه ولها ارتباط وثيق به.
ويدخل في هذا من يعيش في وسط فاجر أو فاسق من أهله وعشيرته أو حيّه أو مدينته، فيتوب الله عليه، فلا ينبغي له أن يتعجّل ترك هذا المكان حتّى يؤمّن مكانًا آخر يجد فيه قوامًا من عيش.
فبعض الشّبيبة ما إن يمنّ الله عليه بالتّوبة حتّى يفكّر في ترك بيت أهله لما يجد من معاناة في التّمسّك أو في مشاهدة المنكر أمام عينه، فإذا تعجّل ربّما لم يصبر على الحياة بعيدًا عن جوّ العائلة الّذي تعوّد عليه فيعود أدراجه ويضعف إيمانه جدًّا.