فهرس الكتاب
والخلاصة، أنّه إذا كانت المعصية لها تعلّق بحياة الشّخص العاديّة، أو لها أثر بحياته وعيشه بعد التّوبة، فعلى العبد أن يتمهّل في التّرك الظّاهر لها [1] حتّى ينظر في حاله بعد أن يترك، ويوازن بين المصالح والمفاسد حتّى يكون تركه لها تركًا عن اقتناع كامل ورويّة تامّة، وعلى قاعدة صلبه فلا يعود إليها أبدًا.
ويشمل ما قلناه قاعدة ذكرها ابن القيّم في المدارج، وهي أنّ العبد في توبته قد لا يتمكّن من الإقلاع عن الذّنب إلاّ بارتكاب مفسدة أو ذنب، فلا بدّ أن يوازن بين المفسدة الّتي هو واقعٌ فيها وبين المفسدة المترتّبة على إقلاعه عن الذّنب.
فإذا طبّقت هذه القاعدة على ما قلناه سابقًا، عرفت شمولها لكلّ ذنب، وقد ذكر ابن القيّم صورًا افترضها، وهناك في السّنّة ما يدلّ عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء أعرابيّ فبال في طائفة المسجد فزجره النّاس فنهاهم النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقال لا تزرموه، فلمّا قضى بوله أمر بذنوب من ماء فاُهريق عليه) [2] ، ففيه دليل واضح على ما قلت من أنّ الإقلاع عن الذّنب إذا ترتّب عليه مفسدة أكبر منه لم يجب.
ولا يقدح في هذا أنّ الرّجل كان جاهلًا لأنّ المقصود أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر استدامة الفعل المنهي عنه بل أمر بتركه لأنّ في قطعه مفسدة أكبر منه، وهذه المفسدة قطعيّة أو مُحتملة، وهي إمّا ضرر الرّجل بقطع بوله ولمّا ينته منه، وإمّا بتنفيره من الدّين ويدلّ على هذه الأخيرة أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا نهى الصّحابة قال لهم: ... (إنّما بُعثتم ميسّرين) [3] .
ابدأ من الذّنوب بأقلّها التزامًا له
(1) بمعنى وجوب التّوبة منها بالقلب فورًا والعزم على تركها.
(2) أخرجه البخاري في الأدب ح6025 ومسلم في الطّهارة ح284
(3) أخرجه البخاري في الطّهارة ح220.