فهرس الكتاب
و كذلك في الطّاعات، نفس الكلام يُقال، فإنّ الواجب على من اعتاد أن يترك المأمورات والفرائض أن يبدأ بما بدأ به الله ورسوله.
فمن كان تاركًا للصّوم والصّلاة والزّكاة وصلة الرّحم والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لا يحسن منه أن يبدأ بالاستعداد للحجّ قبل أن يتمسّك بحبل الصّلاة بقوّة، ولا أن يعجل على نفسه فيحمّلها الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر قبل أن يؤدّي فرض الصّوم والصّلاة.
بل الواجب على العبد التّائب أن يرتّب أولويّاته، فأهمّ أمر ينبغي أن يقيّد نفسه القيام به وامتثاله والمحافظة عليه هو الصّلاة فإنّها ثاني أركان الإسلام وأهمّ واجب بإجماع الأمّة، حتّى إنّهم اختلفوا في تاركها خاصّة هل يكفر أم لا؟.
ثمّ بعد ذلك ينظر إلى الصّوم والزّكاة والحج، ثمّ برّ الوالدين وبعد ذلك صلة الرّحم، وهكذا.
أمّا أن يكلّف العبد نفسه السّفر لصلة رحم في بلد آخر وهو مازال مقصّرًا في القيام بحقوق والديه فهذا من عدم الفقه في الدّين.
ويدلّ على ترتيب الأولويّات في العمل الصّالح أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل يريد الجهاد فقال له: أحيّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) [1] .
ومعناه أنّ الجهاد شُرع لفرض الحكم الإسلامي على الأرض، وكلّ هدفه القيام بالحقوق الشّرعيّة، فإذا كان القيام به فيه إهدار لحقّ شرعي أهمّ منه فلا معنى له، فإذا ترك هذا الولد أبويه فمن يرعاهما؟ مع أنّ الجهاد له من يقوم به غيره.
ولو تتبّعت بتأمّل التّدرّج الّذي وقع في المنهيّات والمأمورات للمست هذا الّذي ذكرناه بجلاء، فالشّرع مثلًا بدأ بالنّهي عن أمور كانت الجاهليّة تعترف بقبحها كأكل الميتة ونكاح المحارم ووأد البنات وغير ذلك كثير، ولكنّ تحريم الخمر تأخّر كثيرًا، لشدّة تعلّق العرب بها.
(1) أخرجه البخاري في الجهاد ح3004 و مسلم في البرّ والصّلة ح2549 عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.